السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٣ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
و جاء «لأشفعنّ يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر و شجر» و عن أنس رضي اللّه تعالى عنه «فضلت على الناس بأربع: بالسخاء، و الشجاعة، و قوة البطش، و كثرة الجماع» أي فعن سلمى مولاته (صلى اللّه عليه و سلم) أنها قالت «طاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على نسائه التسع ليلته و تطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخرى و قال: هذا أطهر و أطيب».
و مما يدل على قوة بطشه (صلى اللّه عليه و سلم) ما وقع له مع ركانة كما سيأتي. و في الخصائص الصغرى: و كان أفرس العالمين، فهو (صلى اللّه عليه و سلم) أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم و أشجعهم و أعلمهم و أكملهم في جميع الأخلاق الجميلة و الأوصاف الحميدة.
قال ابن عبد السلام: من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) أن اللّه تعالى أخبره بالمغفرة: أي لما تقدم و تأخر، و لم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك: أي و لأنه لو وقع لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، بل و مما اختص به (صلى اللّه عليه و سلم) وقوع غفران نفس الذنب المتقدم و المتأخر، كما تقدم من قوله (صلى اللّه عليه و سلم) في بيان ما اختص به عن الأنبياء «و غفر لي ما تقدم من ذنبي و ما تأخر» أي و لا ينافي ذلك قوله تعالى في حق داود فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: الآية ٢٥] لأنه غفران لذنب واحد. قال ابن عبد السلام: بل الظاهر أنه لم يخبرهم أي بغفران ذنوبهم، بدليل قولهم في الموقف «نفسي نفسي، لأني» إلى آخره.
و عن أبي موسى رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من سمع بي من يهودي أو نصراني ثم لم يسلم دخل النار» أي لأنه يجب عليه أن يؤمن به.
أقول: و الذي في مسلم «و الذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت و لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» أي من سمع بنبينا (صلى اللّه عليه و سلم) ممن هو موجود في زمنه و بعده إلى يوم القيامة ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار. أي و من جملة ما أرسل به أنه أرسل إلى الخلق كافة لا لخصوص العرب تأمل، و إنما خص اليهود و النصارى بالذكر تنبيها على غيرهما لأنه إذا كان حالهما ذلك مع أن لهم كتابا فغيرهم مما لا كتاب له كالمجوسي أولى، لأن اليهود كتابهم التوراة، و النصارى كتابهم الإنجيل لأن شريعة التوراة التي هي شريعة موسى يقال لها اليهودية أخذا من قول موسى عليه الصلاة و السلام إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: الآية ١٥٦] أي رجعنا إليك، فمن كان على دين موسى يسمى يهوديا، و شريعة الإنجيل يقال لها النصرانية، أخذا من قول عيسى عليه الصلاة و السلام مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: الآية ٥٢] فمن كان على دين عيسى يسمى نصرانيا، و كان القياس أن يقال له أنصاري. و قيل النصراني نسبة إلى ناصرة قرية من قرى الشام نزل بها عيسى (عليه السلام) كما تقدم، و لا مانع من رعاية الأمرين في ذلك.
و جاء في رواية «و جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» أي و الأمم السابقة كانوا يصلون متفرقين كل واحد على حدته، و إن أمته (صلى اللّه عليه و سلم) حط عنها الخطأ و النسيان و حمل ما لا تطيقه،