السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٢ - باب بدء الوحي له
الصلاح أن هذا روي بسند فيه ضعف قال: و لم أر له إسنادا صحيحا.
و قد روي ما يخالفه، و لم يذكر في «الإتقان» مما نزل جملة سورة براءة، و ذكر أن المعوذتين نزلتا دفعة واحدة. و حينئذ يكون المراد بقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إلا آية آية و حرفا حرفا» أي كلمة، و المراد بها ما قابل السورة، و إلا فقد أنزل عليه ثلاث آيات و أربع آيات و عشر آيات كما أنزل عليه آية و بعض آية. فقد صح نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النّساء: الآية ٩٥] منفردة و هي بعض آية.
و في الإتقان عن جابر بن زيد قال: «أوّل ما أنزل اللّه تعالى من القرآن بمكة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] ثم ن وَ الْقَلَمِ [القلم: الآية ١] ثم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) [المزمّل: الآية ١] ثم يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] ثم الفاتحة، إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: قلت هذا السياق غريب، و في هذا الترتيب نظر، و جابر بن زيد من علماء التابعين، هذا كلامه. و ذكر بعض المفسرين أن سورة و التين أول ما نزل من القرآن، و اللّه أعلم. و ما تقدم من أن نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] كان في شأن الإنذار بعد فترة الوحي، لأنه كان بعد نزول جبريل عليه ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:
الآية ١]، مكث مدة لا يرى جبريل.
أي و إنما كان كذلك ليذهب ما كان يجده من الرعب، و ليحصل له التشوف إلى العود، و من ثم حزن لذلك حزنا شديدا حتى غدا مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما وافى بذروة كي يلقي نفسه منها تبدّى له جبريل (عليه السلام)؟
فقال: يا محمد إنك رسول اللّه حقا، فيسكن لذلك جأشه: أي قلبه و تقرّ نفسه و يرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا وافى ذروة جبل تبدى له مثل ذلك. قال: و في رواية «أنه لما فتر الوحي عنه (صلى اللّه عليه و سلم) حزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة و إلى حراء مرة أخرى يريد أن يلقي نفسه منه، فكلما وافى ذروة جبل منهما كي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد أنت رسول اللّه حقا، فيسكن لذلك جأشه و تقر عينه و يرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي عاد لمثل ذلك، و كانت تلك المدة أربعين يوما، و قيل خمسة عشر يوما، و قيل اثني عشر يوما، و قيل ثلاثة أيام. قال بعضهم و هو الأشبه بحاله عند اللّه تعالى انتهى.
أقول: و يبعد هذا الأشبه قوله فإذا طالت عليه فترة الوحي، و اللّه أعلم. و في الأصل و هذه الفترة لم يذكر لها ابن إسحاق مدة معينة.
أقول: في فتح الباري أن ابن إسحاق جزم بأنها ثلاث سنين، و اللّه أعلم.
قال أبو القاسم السهيلي: و قد جاء في بعض الأحاديث المسندة أن مدة هذه الفترة كانت سنتين و نصف سنة: أي و في كلام الحافظ ابن حجر: و هذا الذي اعتمده