السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٧ - باب ذكر مولده
إنفاقه، و قوله: المسيء لا يظن في الناس إلا سوءا لأنه يراهم بعين طبعه. و مما قيل في جعفر من المدح قول الشاعر:
تروم الملوك ندى جعفر* * * و لا يصنعون كما يصنع
و ليس بأوسعهم في الغنى* * * و لكن معروفه أوسع
و خمدت نار فارس أي مع إيقاد خدامها لها: أي كتب له صاحب فارس: إن بيوت النار خمدت تلك الليلة و لم تخمد قبل ذلك بألف عام. و غاضت أي غارت بحيرة ساوة أي بحيث صارت يابسة كأن لم يكن بها شيء من الماء مع شدة اتساعها: أي كتب له بذلك عامله باليمن، و إلى هذا يشير صاحب الأصل بقوله:
لمولده إيوان كسرى تشققت* * * مبانيه و انحطت عليه شئونه
لمولده خرت على شرفاته* * * فلا شرف للفرس يبقى حصينه
لمولده نيران فارس أخمدت* * * فنورهم إخماده كان حينه
لمولده غاضت بحيرة ساوة* * * و أعقب ذاك المدّ جور يشينه
كأن لم يكن بالأمس ريا لناهل* * * و وردا لعين المستهام معينه
و إلى ذلك أيضا يشير صاحب الهمزية (رحمه اللّه) بقوله:
و تداعى إيوان كسرى و لو لا* * * آية منك ما تداعى البناء
و غدا كل بيت نار و فيه* * * كربة من خمودها و بلاء
و عيون للفرس غارت فهل كا* * * ن لنيرانهم بها إطفاء
أي و من العجائب التي ظهرت ليلة ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) انهدام إيوان كسرى أنو شروان الذي كان يجلس به مع أرباب مملكته، و كان من أعاجيب الدنيا سعة و بناء و إحكاما، و لو لا وجود علامة صادرة عنك إلى الوجود ما تهدّم هذا البناء العجيب الإحكام.
و من ذلك أيضا أنه صار تلك الليلة كل واحد من بيوت نار فارس التي كانوا يعبدونها خامدة نيرانه و الحال أن في ذلك البيت غما و بلاء عظيما من أجل سكون لهب تلك النيران التي كانوا يعبدونها في وقت واحد.
و من ذلك أيضا غور ماء عيون الفرس في الأرض حتى لم يبق منها قطرة.
و حينئذ يستفهم توبيخا و تقريعا لهم، فيقال: هل تلك المياه التي غارت كان بها إطفاء لتلك النيران؟ و يقال في جوابه، لا بل إطفاؤها إنما هو لوجود هذا النبي العظيم و ظهوره.
و رأى الموبذان: أي القاضي الكبير. و في كلام ابن المحدث، هو خادم النار