السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٤ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
من يقتله، و منهم من يحرق وجهه، و منهم من يخبله: أي يصيره غولا يضل الناس في البراري، و كان ذلك سبب فزع العرب لأنه كان قبل ذلك لم يكن من كل جانب، و لم يكثر و يخطئ فيعود الشيطان إلى مكانه فيسترق السمع و يلقي ما يسترقه إلى كاهنه أي فلم تنقطع الكهانة قبل مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) بالمرة، بل كانت موجودة إلى زمن مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم)، و عند مبعثه انقطعت بالمرة و من ثم قال: «لا كهانة اليوم» و هذا كله على تسليم رواية ابن عباس أن النجوم رمى بها عند ولادته (صلى اللّه عليه و سلم). و حفظ الوحي بالرمي بالشهب لا يخالف ما حكاه في الإتقان عن سعيد بن جبير «ما جاء جبريل بالقرآن إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلا و معه أربعة من الملائكة حفظة» و سيأتي عن الينبوع عن ابن جرير «ما نزل جبريل بوحي قط إلا و نزل معه من الملائكة حفظة يحيطون به و بالنبي الذي يوحى إليه يطردون الشياطين عنهما، لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى ذلك النبي من الغيب الذي يوحيه إليه فيبلغوه إلى أوليائهم».
و عن بعضهم قال: سافرت عن زوجتي فخلفني عليها شيطان على صورتي و كلامي و سائر حالاتي التي تعرفها مني، فلما قدمت من السفر لم تفرح بي و لم تتهيأ لي، و كانت إذا قدمت من سفر تتهيأ لي كما تتهيأ العروس فقلت لها في ذلك، فقالت: إنك لم تغب، فبينما أنا كذلك، و قد ظهر لي ذلك الشيطان و قال لي أنا رجل من الجن عشقت امرأتك و كنت آتيها في صورتك فلا تنكر ذلك، فاختر إما أن يكون لك الليل ولي النهار، أو لك النهار ولي الليل، فراعني ذلك ثم اخترت النهار، فلما كان في بعض الليالي جاءني و قال: بت الليلة عند أهلك فقد حضرت نوبتي في استراق السمع من السماء فقلت: أنت تسترق السمع؟ فقال: نعم هل لك أن تكون معي؟ قلت: نعم، فلما جاء الليل أتاني، و قال حوّل وجهك فحولت وجهي، فإذا هو في صورة خنزير له جناحان فحملني على ظهره فإذا له معرفة كمعرفة الخنزير، فقال لي: استمسك بها فإنك ترى أمورا و أهوالا فلا تفارقني تهلك، ثم صعد حتى لصق بالسماء فسمعت قائلا يقول: «لا حول و لا قوة إلا باللّه، ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن» فهوى بي و وقع من وراء العمران فحفظت الكلمات فلما أصبحت أتيت أهلي، فلما كان الليل جاء فقلتهن، فاضطرب، فلم أزل أقولهن حتى صار رمادا، و إن لم يحمل وقوع ذلك في زمن الجاهلية و إلا كان كذبا لأنهم أجابوا عن إيراد أن القول بقدرة الجن على التصور يلزمه رفع الثقة بشيء، فإن من رأى نحو ولده و زوجته احتمل أنه جني فيشك بأن اللّه تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي إلى ما يترتب عليه ريبة في الدين فليتأمل.
و قد جاء في فضل لا حول و لا قوة إلا باللّه «من كثرت همومه و غمومه فليكثر من قول لا حول و لا قوة إلا باللّه، و الذي نفسي بيده إن لا حول و لا قوة إلا باللّه