السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٨ - باب ذكر مولده
الكبير و رئيس حكامهم، و عنه يأخذون مسائل شرائعهم، و رأى في نومه إبلا صعابا تقود خيلا عرابا: أي و هي خلاف البراذين، قد قطعت دجلة، أي و هي نهر بغداد، و انتشرت في بلادها، أي و الإبل كناية عن الناس، و رأى كسرى ما هاله و أفزعه أي الذي هو ارتجاس الإيوان و سقوط شرافاته، فلما أصبح تصبر: أي لم يظهر الانزعاج لهذا الأمر الذي رآه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك: أي هذا الأمر الذي هاله و أفزعه عن مرازبته بضم الزاي: أي فرسانه و شجعانه، فجمعهم و لبس تاجه و جلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال: أ تدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران، أي و ورد عليه كتاب من صاحب إيليا يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة. و ورد عليه كتاب صاحب الشام يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة. و ورد عليه كتاب صاحب طبرية يخبره أن الماء لم يجر في بحيرة طبرية، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى و ما هاله: أي و هو ارتجاس الإيوان و سقوط شرافاته، فقال الموبذان، فأنا. أصلح اللّه الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب، فابعث إلى عاملك بالحيرة بوجه إليك رجلا من علمائهم، فإنهم أصحاب علم بالحدثان.
فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد: فوجه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح الغساني:
أي و هو معدود من المعمرين، عاش مائة و خمسين سنة فلما ورد عليه قال: أ لك علم بما أريد أن أسألك عنه، قال ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي علم منه، و إلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بالذي وجه إليه فيه، قال علم ذلك عند خالي يسكن مشارف الشام بالفاء: أي أعاليها: أي و هي الجابية المدينة المعروفة، يقال له سطيح، قال فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح و قد أشفى أي أشرف على الضريح. أي الموت: أي احتضر، و عمره إذ ذاك ثلاثمائة سنة، و قيل سبعمائة سنة: أي و لم يذكره ابن الجوزي في المعمرين، و كان جسدا ملقى لا جوارح له، و كان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب فإنه ينتفخ فيجلس، و كان وجهه في صدره، و لم يكن له رأس و لا عنق. و في كلام غير واحد: لم يكن له عظم سوى عظم رأسه و في لفظ لم يكن له عظم و لا عصب إلا الجمجمة و الكفين، و لم يتحرك منه إلا اللسان، قيل لكونه مخلوقا من ماء امرأة لأن ماء الرجل يكون منه العظم و العصب: أي كما سيأتي عنه (صلى اللّه عليه و سلم) من قوله:
«نطفة الرجل يخلق منها العظم و العصب، و نطفة المرأة يخلق منها اللحم و الدم».