السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٧ - باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، و زوجته
الأجل، و زيادة في العدد. و اتركوا البغي و العقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم.
أجيبوا الداعي، و أعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة و الممات. و عليكم بصدق الحديث و أداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص و مكرمة في العام. و إني أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش- أي و هو الصديق في العرب، و هو الجامع لكل ما أوصيكم به، و قد جاء بأمر قبله الجنان، و أنكره اللسان مخافة الشنآن- أي البغض- و هو لغة في الشنآن- و أيم اللّه كأني أنظر إلى صعاليك العرب، و أهل البر في الأطراف و المستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته و صدقوا كلمته، و عظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش و صناديدها أذنابا، و دورها خرابا، و ضعفاؤها أربابا، و إذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه و أبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، و أعطته قيادها دونكم يا معشر قريش، كونوا له ولاة، و لحزبه حماة، و اللّه لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، و لا يأخذ أحد بهديه إلا سعد.
و في لفظ آخر أنه لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد و ما اتبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا.
و لما مات أبو طالب نالت قريش من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى أن بعض سفهاء قريش نثر على رأس النبي (صلى اللّه عليه و سلم) التراب، فدخل (صلى اللّه عليه و سلم) بيته و التراب على رأسه، فقامت إليه بعض بناته و جعلت تزيله عن رأسه و تبكي، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لها لا تبكي لا تبكي يا بنية، فإن اللّه تعالى مانع أباك، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقول «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه- أي أشد الكراهة- حتى مات أبو طالب» و تقدم، و سيأتي بعض ما أوذي به.
قال: و لما رأى قريشا تهجموا قال يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك. و لما بلغ أبا لهب ذلك قام أبو لهب بنصرته أياما و قال له: يا محمد امض لما أردت، و ما كنت صانعا إذا كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا و اللات و العزى لا يوصل إليك حتى أموت.
و اتفق أن ابن العيطلة- أي و هو أحد المستهزئين المتقدم ذكرهم سب النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فأقبل عليه أبو لهب و نال منه، فولى و هو يصيح: يا معشر قريش صبا أبو عتبة- يعني أبا لهب- فأقبلت قريش على أبي لهب و قالوا له: أ فارقت دين عبد المطلب؟ فقال:
ما فارقت» و في لفظ «قالوا له: أ صبوت؟ قال: ما فارقت دين عبد المطلب، و لكن أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت و أجملت و وصلت الرحم، فمكث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك أياما لا يتعرض له أحد من قريش و هابوا أبا لهب إلى أن جاء أبو جهل و عقبة بن أبي معيط إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ أي المحل الذي يكون فيه، يزعم أنه في النار، فقال له أبو