السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٦ - باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، و زوجته
دماغه على قدميه» و في رواية «كما يغلى المرجل بالقمقم» قيل و القمقم بكسر القافين: البسر الأخضر يطبخ في المرجل استعجالا لنضجه يفعل ذلك أهل الحاجة.
و ذكر السهيلي الحكمة في اختصاص قدميه بالعذاب و زعم بعض غلاة الرافضة أن أبا طالب أسلم، و استدل له بأخبار واهية ردها الحافظ ابن حجر في الإصابة.
أي و قد قال: وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، و لم يثبت من ذلك شيء.
و روى أبو طالب عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال «حدثني محمد أن اللّه أمره بصلة الأرحام» و أن يعبد اللّه وحده و لا يعبد معه غيره» و قال «سمعت ابن أخي الأمين يقول اشكر ترزق، و لا تكفر تعذب» انتهى.
و في المواهب عن شرح التنقيح للقرافي أن أبا طالب ممن آمن بظاهره و باطنه و كفر بعدم الإذعان للفروع، لأنه كان يقول: إني لا أعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، و لو لا أني أخاف أن يعيرني نساء قريش لاتبعته، فهذا تصريح باللسان و اعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن للأحكام، هذا كلامه. و فيه أن الإيمان باللسان الإتيان بلا إله إلا اللّه، و لم يوجد ذلك منه كما علمت، و تقدم أن الإيمان النافع عند اللّه الذي يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود في النار، التصديق بالقلب بما علم بالضرورة أنه من دين محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و إن لم يقر بالشهادتين مع التمكين من ذلك حيث لم يطلب منه ذلك و يمتنع، و أبو طالب طلب منه ذلك و امتنع.
و قد روى الطبراني عن أم سلمة «أن الحارث بن هشام- أي أخا أبي جهل بن هشام- أتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوم حجة الوداع، فقال: إنك تحث على صلة الرحم، و الإحسان إلى الجار، و إيواء اليتيم، و إطعام الضيف، و إطعام المسكين، و كل هذا مما يفعله هشام، يعني والده، فما ظنك به يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا اللّه فهو جذوة من النار، و قد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار، فأخرجه اللّه لمكانه مني و إحسانه إليّ، فجعله في ضحضاح من النار».
و ذكر أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فأوصاهم، و كان من وصيته أن قال: يا معشر قريش أنتم صفوة اللّه من خلقه و قلب العرب، فيكم المطاع، و فيكم المقدم الشجاع، و الواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، و لا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، و لهم به إليكم الوسيلة. أوصيكم بتعظيم هذه البنية: أي الكعبة، فإن فيها مرضاة للرب، و قواما للمعاش. صلوا أرحامكم و لا تقطعوها، فإن في صلة الرحم منسأة- أي فسحة- في