السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٦ - باب عرض قريش عليه
هشام فإني غريب و ابن سبيل، و قد غلبني علي حقي، فقالوا له أ ترى ذلك الرجل؟
يعنون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، اذهب إليه فهو يعينك عليه، فجاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فذكر له حاله مع أبي جهل- أي قال له: يا أبا عبد اللّه إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله و أنا غريب و ابن سبيل، و قد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي بحقي منه فأشاروا إليك، فخذ حقي منه يرحمك اللّه- فخرج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مع الرجل إلى أبي جهل و ضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال محمد، فخرج إليه و قد انتقع لونه:
أي تغير و صاح كلون النقع- الذي هو التراب، و هو الصفرة مع كدرة كما تقدم- فقال له: أعط هذا حقه، قال نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، فدفعه إليه. قال:
ثم إن الرجل أقبل حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه اللّه خيرا يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم)- فقد و اللّه أخذ لي بحقي، و قد كانوا أرسلوا رجلا ممن كان معهم خلف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قالوا له انظر ما ذا يصنع؟ فقالوا لذلك الرجل ما ذا رأيت؟ قال: رأيت عجبا من العجب، و اللّه ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه و ما معه روحه فقال: أعط هذا حقه، فقال نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إليه، فعند ذلك قالوا لأبي جهل: ويلك ما رأينا مثل ما صنعت، قال: و يحكم، و اللّه ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي و سمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه و إن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني» و إلى هذه القصة أشار صاحب الهمزية بقوله:
و اقتضاه النبي دين الإراشي* * * و قد ساء بيعه و الشراء
و رأى المصطفى أتاه بما لم* * * ينج منه دون الوفاء النجاء
هو ما قد رآه من قبل لكن* * * ما على مثله يعد الخطاء
أي و طلب (صلى اللّه عليه و سلم) من أبي جهل أن يؤدي دين الإراشي و قد ساء بيعه و شراؤه مع ذلك الرجل و رأى المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أتاه بفحل من الإبل لم ينج منه دون الوفاء لذلك الدين. كثير النجاء، و ذلك الذي أتاه به هو الفحل الذي قد رآه من قبل: أي لما أراد عدو اللّه أن يلقي عليه (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر و هو ساجد كما تقدم، لكن ما على مثله فضلا عنه يعدّ الخطأ لأن خطأه لا ينحصر.
أي و من استهزاء أبي جهل بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) «أنه في بعض الأوقات سار خلف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يخلج بأنفه و فمه يسخر به، فاطلع عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له: كن كذلك، فكان كذلك إلى أن مات».
قال ابن عبد البر: و كان من المستهزئين الذين قال اللّه تعالى فيهم إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] أبو جهل و أبو لهب و عقبة بن أبي معيط و الحكم بن