السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٥ - باب عرض قريش عليه
جبريل حتى سؤت ظنا» و في لفظ «ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فقال له جبريل وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) [مريم: الآية ٦٤] أي لا ننتقل من مكان إلى مكان، و لا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره و مشيئته على مقتضى حكمته، و ما كان ربك تاركا لك كما زعم الكفار، بل كان ذلك لحكمة رآها.
و أما حديث الزبيدي، فقد حدث بعضهم الزبيدي، فقد حدث بعضهم قال:
«بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس في المسجد و من معه من الصحابة إذا رجل من زبيد يطوف على حلق قريش حلقة بعد أخرى و هو يقول: يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المارة أو يجلب إليكم جلب، أو يحل بضم الحاء أي ينزل بساحتكم تاجر و أنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم؟ حتى انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أصحابه، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): و من ظلمك؟ فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال خيرة إبله أي أحسنها فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها، ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد عليّ سلعتي فظلمني، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و أين جمالك؟ قلا: هذه هي بالحزورة، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قام أصحابه فنظروا إلى الجمال فرأى جمالا حسنا، فساوم ذلك الرجل حتى ألحقه برضاه، و أخذها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فباع جملين منها بالثمن، و أفضل بعيرا باعه و أعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه، و كل ذلك و أبو جهل جالس في ناحية من السوق و لم يتكلم، ثم أقبل إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له:
إياك يا عمرو أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الرجل فترى مني ما تكره، فجعل يقول:
لا أعود يا محمد لا أعود يا محمد، فانصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أقبل على أبي جهل أمية بن خلف و من معه من القوم، فقالوا له: ذللت في يد محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه، و إما رعب دخلك منه، فقال لهم: لا أتبعه أبدا، إن الذي رأيتم مني لما رأيته، رأيت معه رجالا عن يمينه و رجالا عن شماله معهم رماح يشرعونها إليّ، لو خالفته لكانت إياها أي لأتوا على نفسي».
و نظير ذلك «أن أبا جهل كان وصيا على يتيم فأكل ماله و طرده، فاستغاث اليتيم بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) على أبي جهل، فمشى معه إليه ورد عليه ماله، فقيل له في ذلك فقال:
خفت من حربة عن يمينه و حربة عن شماله لو امتنعت أن أعطيه لطعنني».
و أما حديث المستهزئين. فمما استهزئ به على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما حدث به بعضهم «أن أبا جهل بن هشام ابتاع من شخص يقال له الإراشي بكسر الهمزة نسبة إلى إراشة بطن من خثعم أجمالا فمطله بأثمانها، فدلته قريش على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لينصفه من أبي جهل استهزاء برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لعلمهم بأنه لا قدرة له على أبي جهل: أي بعد أن وقف على ناديهم فقال: يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن