السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٨١ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
به (صلى اللّه عليه و سلم) كانت عند باب الكعبة كما رواه إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه في الأم.
و روى الطحاوي عند باب البيت مرتين، أي و ذلك في المحل المنخفض الذي تسميه العامة المعجنة كما تقدم، و صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) عند باب الكعبة في المحل المذكور لبيت المقدس لا يكون مستقبلا للكعبة، بل تكون على يساره، لأن لا يتصور أن يستقبل بيت المقدس و يكون مستقبلا للكعبة أيضا إلا إذا صلى بين اليمانيين كما تقدم.
و أيضا ذكر بعضهم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يسجد نحو بيت المقدس و يجعل الكعبة وراء ظهره و هو بمكة أي في بعض الأوقات حتى لا يخالف ما سبق أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يستقبلها مع استقباله لبيت المقدس.
و لا ينافي ذلك ما في زبدة الأعمال: أقام (صلى اللّه عليه و سلم) بعد نزول جبريل ثلاث عشرة سنة، و كان يصلي إلى بيت المقدس مدة إقامته بمكة، يجعلها: أي الكعبة بين يديه و لا يستدبرها لإمكان حمل مدة اقامته على غالبها.
و مما يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) مع الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس و هم بمكة، ما سيأتي عن البراء بن معرور «أنه لما عدل عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قبل أن يهاجر (صلى اللّه عليه و سلم) و سأله عن ذلك، قال له: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها».
و أم به (صلى اللّه عليه و سلم) جبريل مرتين: مرة أوّل الوقت و مرة آخر الوقت لكن الوقت الاختياري بالنسبة للعصر و العشاء و الصبح لا الآخر الحقيقي ليعلمه الوقت: أي و لما جاءه (صلى اللّه عليه و سلم) جبريل أمر فصيح بأصحابه الصلاة جامعة، كما تقدم، أي لأن الإقامة المعروفة للصلوات الخمس لم تشرع إلا بالمدينة على ما تقدم و سيأتي.
قال: فقد جاء «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم و صلى به في أول يوم الظهر حين زالت الشمس» كما تقدم، أي عقب زوالها، و صلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله، أي زيادة على ظل الاستواء أو على الظل الحاصل عقب الزوال، و صلى به المغرب حين أفطر الصائم: أي دخل وقت فطره و هو غروب الشمس. و صلى به العشاء حين غاب الشفق. و صلى به أي في غد ذلك و هو اليوم الثاني الفجر حين حرم الطعام و الشراب على الصائم أي حين دخل وقت حرمة ذلك و هو الفجر.
أي فإن قيل صلاة جبريل به (صلى اللّه عليه و سلم) حينئذ لم يكن الصوم الذي هو رمضان فرض.
أجيب بأنه على تسليم أنه لم يفرض عليه صوم قبل رمضان و هو صوم عاشوراء و ثلاث أيام من كل شهر على ما سيأتي، جاز أن يكون اخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بهذه العبارة كان