السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٣ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
من النصرانية، لأن أكثر القدرية على أنه ليس من أفعال العبد من خير أو شر ناشئا عن إقدار اللّه تعالى له على ذلك، بل هو ناشئ عن قدرة العبد و اختياره، فقد أثبتوا للّه تعالى شريكا، كما أن النصارى أثبتوا الشريك للّه تعالى، فهذه الفرقة من القدرية أشبهت النصارى، فكان القدر شعبة من النصرانية بهذا الاعتبار، و قد أوضحت ذلك في تعليقي المسمى ب «المصباح المنير على الجامع الصغير» و فيه «أخر الكلام على القدر لشرار أمتي في آخر الزمان» فإن الحق إسناد الفعل إلى اللّه تعالى إيجادا و للعبد اكتسابا.
و قيل إن سبب بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما للكعبة أن امرأة بخرتها فطارت شرارة فعلقت بثيابها فحصل ذلك، و لا مانع من التعدد. و قد وقع أيضا احتراقها بتبخير المرأة في زمن قريش، و لا مانع من تعدد ذلك كما تقدم.
و عدّ بعضهم أن من البدع تجمير المسجد و أن مالكا كرهه. و قد روي أن مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه كان يجمر المسجد النبوي إذا جلس عمر رضي اللّه عنه على المنبر يخطب، و مع حرق الكعبة حرق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل فإنهما كانا معلقين بالسقف.
أقول: و لعل تعليقهما في السقف كان بعد تعليقهما في الميزاب. فقد ذكر بعضهم جاء الإسلام و رأس الكبش معلق بقرنية في ميزاب الكعبة، و يدل لتعليقهما في السقف ما جاء عن صفية بنت شيبة قالت لعثمان بن طلحة «لم دعاك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعد خروجه من البيت؟ قال: قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إني رأيت قرني الكبش في البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا».
و ذكر الجلال المحلي في قطعة التفسير أن الكبش المذكور هو الذي قرّبه هابيل جاء به جبريل، فذبحه السيد إبراهيم عليه الصلاة و السلام مكبرا: أي و حينئذ تكون النار التي أنزلت في زمن هابيل لم تأكله، بل رفعته إلى السماء، و حينئذ يكون قول بعضهم: فنزلت النار فأكلته على التسمح، و يدل لما ذكر الجلال ما جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لجبريل عليه الصلاة و السلام: «ما كان ذبح إبراهيم؟ أي مذبوحه، قال: الذي قرّب ابن آدم» قال بعضهم: و هذا الحديث لم يثبت. قيل و وصف بأنه عظيم، لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، و قيل كان الكبش اختراعا اخترعه اللّه هناك في ذلك الوقت قال بعضهم: فقد فدى من الموت بصورة الموت و هذا كله بناء على أن الذي قرّبه هابيل كان كبشا. و قيل كان جملا سمينا، و عليه اقتصر القاضي. فلينظر الجمع على تقدير صحة كل، و انصدع الحجر من تلك النار من ثلاثة أماكن، و عند محاصرة الجيش لعبد اللّه جاء الخبر بموت يزيد.