السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤ - باب نسبه الشريف
له قصي لأنه قصي: أي بعد عن عشيرته إلى أخواله بني كلب في ناديهم. و قيل بعد إلى قضاعة مع أمه لأنها كانت منهم.
أقول: لا منافاة، لجواز أن تكون أم قصي من بني كلب و أبوها من قضاعة، و أنها رحلت بعد موت عبد مناف إلى بني كلب، ثم لما تزوجت من قضاعة رحلت إليها، و لعل قضاعة كانت جهة الشام، فلا يخالف ما قيل.
و قيل له قصي لأنه بعد مع أمه إلى الشام، لأن أمه تزوجت بعد موت أبيه و هو فطيم بشخص يقال له ربيعة بن حزام. و قيل حزام بن ربيعة العذري، فرحل بها إلى الشام و كان قصي لا يعرف له أبا إلا زوج أمه المذكور، فلما كبر وقع بينه و بين آل زوج أمه شرا: أي فإنه ناضل رجلا منهم فنضله قصي أي غلبه، فغضب ذلك الرجل و عير قصيا بالغربة و قال له: أ لا تلحق بقومك و ببلادك فإنك لست منا.
و في لفظ: لما قيل له ذلك، قال ممن أنا؟ قيل له سل أمك فشكا ذلك إلى أمه، فقالت له: بلادك خير من بلادهم، و قومك خير من قومهم، أنت أكرم أبا منهم، أنت ابن كلاب بن مرة، و قومك بمكة عند البيت الحرام تفد إليه العرب، و قد قالت لي كاهنة رأتك صغيرا إنك تلي أمرا جليلا، فلما أراد الخروج إلى مكة قالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج مع حجاج قضاعة، فإني أخاف عليك، فشخص مع الحجاج، فقدم قصي مكة على قومه مع حجاج قضاعة، فعرفوا له فضله و شرفه، فأكرموه و قدموه عليهم، فساد فيهم ثم تزوج بنت حليل بالحاء المهملة المضمومة الخزاعي و كان أمر مكة و البيت إليه، و هو آخر من ولي أمر البيت و الحكم بمكة من خزاعة، فجاء منها بأولاده الآتي ذكرهم، فلما انتشر ولده و كثر ماله و علم شرفه مات حليل، فرأى قصي أنه أولى بأمر مكة من خزاعة، لأن قريشا أقرب إلى إسماعيل من خزاعة، فدعا قريشا و بني كنانة إلى إخراج خزاعة من مكة فأجابوه إلى ذلك و انضم له قضاعة، جاء بهم أخو قصي لأمه فأزاح قصي يد خزاعة و ولي أمر مكة.
و قيل إن حليلا جعل أمر البيت لقصي. و لا منافاة لجواز أن تكون خزاعة لم ترض بما فعله حليل من أن يكون أمر البيت لقصي فحاربهم و أخرجهم من مكة.
و قيل إن حليلا أوصى بذلك لأبي غبشان بضم الغين المعجمة بعد أن أوصى بذلك لابنته زوج قصي و قالت له لا قدرة لي على فتح البيت و إغلاقه، و أن قصيا أخذ ذلك منه بزق خمر، فقالت العرب: أخسر صفقة من أبي غبشان.
و قيل إن أبا غبشان أعطى ذلك لبنت حليل زوج قصي، و أعطاه قصي أثوابا و أبعرة، فكان أبو غبشان آخر من ملك أمر مكة و البيت من خزاعة.