السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٩ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
قال: و من شعر عبد اللّه والده (صلى اللّه عليه و سلم) كما في تذكرة الصلاح الصفدي:
لقد حكم البادون في كل بلدة* * * بأن لنا فضلا على سادة الأرض
و إن أبي ذو المجد و السؤدد الذي* * * يشار به ما بين نشز إلى خفض
أي ارتفاع و انخفاض.
و عن أبي يزيد المديني أن عبد المطلب لما خرج بابنه عبد اللّه ليزوجه، فمر به على امرأة كاهنة من أهل تبالة: بضم التاء المثناة فوق بلدة باليمن قد قرأت الكتب، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد اللّه، فقالت له: يا فتى هل لك أن تقع علي الآن و أعطيك مائة من الإبل؟ فقال عبد اللّه ما تقدم ا ه.
أقول: قال الكلبي: كانت أي تلك الكاهنة من أجمل النساء و أعفهن، فدعته إلى نكاحها فأبى. و لا منافاة، لأنه جاز أن تكون أرادت بقولها قم علي الآن أي بعد النكاح و فهم عبد اللّه أنها تريد الأمر من غير سبق نكاح، فأنشد الشعر المتقدم الدال على طهارته و عفته، و هذا بناء على اتحاد الواقعة، و أن المرأة في هاتين الواقعتين واحدة، و أنه اختلف في اسمها، و أنه مر على تلك المرأة في ذهابه مع أبيه ليزوجه آمنة، و يدل لذلك «فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت».
و ظاهر سياق المواهب يقتضي أنهما قضيتان، و أن الأولى عند انصرافه مع أبيه ليزوجه آمنة.
و قوله قد قرأت الكتب: أي فجاز أنها رأت في تلك الكتب أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المنتظر يكون نورا في وجه أبيه، و أنه يكون من أولاد عبد المطلب، أو أنها ألهمت ذلك فطمعت أن يكون ذلك النبي منها، و يؤيد الثاني ما سيأتي عنها، و اللّه أعلم.
فأتى عبد المطلب عم آمنة و هو وهيب بن عبد مناف بن زهرة، و هو يومئذ سيد بني زهرة نسبا و شرفا، و كانت في حجره لموت أبيها وهب بن عبد مناف.
و قيل أتى عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته آمنة، و قدم هذا في الاستيعاب، فزوجها لعبد اللّه و هي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا و موضعا، فدخل بها عبد اللّه حين أملك عليها مكانه، فوقع عليها، فحملت برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و انتقل ذلك النور إليها.
قيل وقع عليها يوم الاثنين في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى.
أقول فيه: إنه سيأتي في فتح مكة أنه نزل بالحجون، بفتح الحاء المهملة عند شعب أبي طالب بالمكان الذي حصرت فيه بنو هاشم و بنو المطلب.
و يمكن أن يقال: ذلك الشعب الذي كان في الحجون كان محلا لسكن أبي