السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٩ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
فحرق عباس ضمارا و لحق بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم). و في لفظ أن عباس بن مرداس كان في لقاح له نصف النهار، إذ طلع عليه راكب على نعامة بيضاء و عليه ثياب بيض فقال له: يا عباس أ لم تر أن السماء قد تعب أحراسها، و أن الحرب قد حرقت أنفاسها، و أن الخيل وضعت أحلاسها، و أن الذي نزل عليه البر و التقوى صاحب الناقة القصواء؟ فقال عباس: فراعني ذلك، فجئت وثنا لنا يقال له الضمار كنا نعبده و تكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به، فإذا صائح يصيح من جوفه:
قل للقبائل من قريش كلها* * * هلك الضمار و فاز أهل المسجد
هلك الضمار و كان يعبد مدة* * * قبل الصلاة على النبي محمد
إن الذي ورث النبوة و الهدى* * * بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال عباس: فخرجت مع قومي بني حارثة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة، فدخلت المسجد، فلما رآني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تبسم و قال: يا عباس كيف إسلامك، فقصصت عليه القصة، فقال: صدقت، و أسلمت أنا و قومي.
و من ذلك خبر مازن بن الغضوبة قال: كنت أسدن: أي أخدم صنما بقرية بعمان: أي بالتخفيف تدعى سمائل، و سمال يقال له بادر. و في لفظ باحر بالحاء المهملة، فعترنا ذات يوم عنده عتيرة و هي الذبيحة مطلقا. و قيل في رجب خاصة.
فسمعنا صوتا من جوف الصنم يقول: يا مازن اسمع تسرّ ظهر خير و بطن شر، بعث نبي من مضر بدين اللّه الكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حرّ سقر. قال مازن:
ففزعت لذلك و قلت: إن هذا لعجب، ثم عترت بعد أيام عتيرة: أي ذبحت ذبيحة لذلك الصنم، فسمعت صوتا من الصنم يقول:
أقبل إليّ أقبل* * * تسمع ما لا تجهل
هذا نبي مرسل* * * جاء بحق منزل
آمن به كي تعدل* * * عن حر نار تشعل
وقودها بالجندل
فقلت: إن هذا لعجب، و إنه لخير يراد بي.
أقول: و رأيت في بعض السير تقديم هذه الأبيات على ما قبلها، و أن مازنا قال: ثم سمعت صوتا أبين من الأول، و هو يقول: يا مازن اسمع إلى آخره، و اللّه أعلم.
قال مازن: فبينا نحن كذلك، إذ قدم رجل من أهل الحجاز قلنا له: ما الخبر وراءك؟ قال: قد ظهر رجل يقال له أحمد، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي اللّه، فقلت