السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٥٩ - باب بدء الوحي له
أي و أتاه. قال ابن حجر: أي بعد البعثة أي النبوة، و اجتماعه به في بيتها حامل الوحي جبريل، و لصاحب العقل الكامل في الأحوال التي قد تشتبه استبصار، فبسبب كمال استبصارها أزالت عن رأسها ما يغطى به الرأس لتعلم عين اليقين أن هذا الذي يعرض له (صلى اللّه عليه و سلم) هل هو حامل الوحي الذي كان يأتي به الأنبياء عليهم الصلاة و السلام قبله أو هو الإغماء الذي هو بعض الأمراض الجائزة عليهم، عليهم الصلاة و السلام.
و فيه أنه ينبغي أن يكون المراد به الإغماء الناشئ عن لمة الجن، فيكون من الكهان لا من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام الذي قال بسببه لخديجة لقد خشيت على نفسي، و سيأتي أنه كان يعتريه و هو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن ما كان يعتريه عند نزول الوحي عليه: أي من الإغماء إلى آخره، فبسبب إزالتها ما تغطي به رأسها عنها اختفى فلم يعد إلى أن أعادت غطاء رأسها عليه، فاستبانت: علمت علم اليقين أن ما يعرض له (صلى اللّه عليه و سلم) هو الوحي: أي لا الجني، لأن الملك لا يرى الرأس المكشوف من المرأة بخلاف الجني. و شبه الناظم ذلك بالشيء النفيس و الأمر العظيم، لأن كلا من الكنز و الكيمياء لا يظفر به إلا القليل من الناس لعزتهما.
أقول: و في الخصائص الكبرى ما يدل لما قلناه من أن أول ما فعلته خديجة كان عند ترائيه له (صلى اللّه عليه و سلم)، و قبل اجتماعه به.
و قول بعضهم إن ذلك من خديجة كان بإرشاد من ورقة؟ فإنه قال لها اذهبي إلى المكان الذي رأى فيه ما رأى، فإذا رآه فتحسري، فإن لم يكن من عند اللّه لا يراه: أي فتراءى له و هو في بيت خديجة ففعلت، قالت: فلما تحسرت تغيب جبريل فلم يره، فرجعت فأخبرت ورقة، فقال إنه ليأتيه الناموس الأكبر.
و في فتح الباري أن في سيرة ابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال رضي اللّه تعالى عنه و هو يعذب، و ذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، و إلى أن دخل بعض الناس في الإسلام: أي و في كلام صاحب كتاب الخميس في الصحيحين أن الوحي تتابع في حياة ورقة و أنه آمن به، و تقدم أنه الموافق لما في الإمتاع من أنه مات في السنة الرابعة من البعثة، و تقدم أنه مخالف لما تقدم عن سبط ابن الجوزي، و مخالف أيضا لقول الذهبي: الأظهر أنه مات بعد النبوة و قبل الرسالة، أي بناء على تأخرها، و يدل لتأخرها ما تقدم من قول ورقة: «يا ليتني فيها جذع» فقد تقدم أن المراد يا ليتني أكون في زمن الدعوة: أي و من أدرك النبوة و لم يدرك البعثة لا يكون مسلما، بل هو كما تقدم من أهل الفترة لأن الإيمان النافع عند اللّه تعالى الذي يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود في النار التصديق بالقلب، بما علم بالضرورة أنه من دين محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أي بما أرسل به و إن لم يقر بالشهادتين مع التمكن