السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦١ - باب بدء الوحي له
العلم، فقد يقال: خلق اللّه تعالى فيه (صلى اللّه عليه و سلم) علما ضروريا بعد ذلك علم به أنه جبريل، و أنه يتكلم عن اللّه تعالى، كما خلق في جبريل علما ضروريا بأن الموحي إليه هو اللّه.
و قد ذكر بعض المفسرين أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان له عدوّ من شياطين الجن يقال له الأبيض، كان يأتيه في صورة جبريل. و اعترض بأنه يلزم عليه عدم الوثوق بالوحي.
و أجيب عنه بمثل ما هنا، و هو أن اللّه تعالى جعل في النبي (صلى اللّه عليه و سلم) علما ضروريا يميز به بين جبريل (عليه السلام) و بين هذا الشيطان، و لعل هذا الشيطان غير قرينه الذي أسلم.
و في كلام ابن العماد: و شيطان الأنبياء يسمى الأبيض، و الأنبياء معصومون منه، و هذا الشيطان هو الذي أغوى به برصيصا الراهب العابد بعد عبادته خمسمائة سنة، و هو المعنيّ بقوله تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ [الحشر: الآية ١٦] هذا كلامه و اللّه أعلم.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «كان من الأنبياء من يسمع الصوت: أي و لا يرى مصوّتا، فيكون بذلك نبيا» قال بعضهم: يحتمل أن يكون صوتا خلقه اللّه تعالى في الجو: أي ليس من جنس الكلام، و خلق لذلك النبي فهم المراد منه عند سماعه.
و يحتمل أن يكون من جنس الكلام المعهود يتضمن كون ذلك الشخص صار نبيا. قال (صلى اللّه عليه و سلم): «و إن جبريل يأتيني فيكلمني كما يأتي أحدكم صاحبه فيكلمه و يبصره من غير حجاب» أي و في رواية «كنت أراه أحيانا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال».
و لا يخفى أن هاتين الحالتين كل منهما حالة من حالات الوحي. و حينئذ إما أن يكون جبريل (عليه السلام) على صورة دحية الكلبي، و هو بكسر الدال المهملة على المشهور و حكي فتحها، أو على صورة غيره، و منه ما وقع في حديث عمر رضي اللّه تعالى عنه «بينما نحن عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذات يوم طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، و لا يعرفه منا أحد» الحديث.
و رواية البخاري تدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يعرفه إلا في آخر الأمر، و ورد «ما جاءني- يعني جبريل- في صورة لم أعرفها إلا في هذه المرة».
و في صحيح ابن حبان «و الذي نفسي بيده ما اشتبه عليّ منذ أتاني قبل مرّته هذه، و ما عرفته حتى ولى» و بهذا يعلم ما في كلام الإمام السبكي حيث قسم الوحي إلى ثلاثة أقسام، حيث قال في تائيته: