السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥١ - باب ذكر رضاعه
و تكون هذه المرة الثانية محمل قول حليمة: فو اللّه إنه بعد مقدمنا بأشهر. و قول ابن الأثير بشهرين أو ثلاثة.
و أما في القدمة الثالثة و هي التي بعد شق صدره و تركها له (صلى اللّه عليه و سلم) عند أمه كان سنه أربع سنين، و فيها كانت وفاتها على ما يأتي، و قيل خمس سنين قاله ابن عباس، و قيل ست سنين، و يكون بعض الرواة اشتبه عليه الأمر، و ظن أن هذه القدمة الثانية التي قبل شق صدره هي الثالثة التي بعد شق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) فلزم الإشكال، فتأمل ذلك تأملا حميدا، و لا تكن ممن يفهم تقليدا، و اللّه أعلم.
و وفدت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) حليمة بعد تزوجه خديجة تشكو إليه ضيق العيش، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم و بكرات، جمع بكرة: و هي الثنية من الإبل:
أي و في رواية أربعين شاة و بعيرا ا ه.
و وفدت عليه يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه، أي فقد قال بعضهم:
لم تره بعد أن ردته إلا مرتين: إحداهما بعد تزوّجه خديجة: أي و عليه تكون هذه المرة هي التي قدمت فيها مع زوجها و ولدها و أجلسهم على ردائه أي ثوبه الذي كان جالسا عليه كما تقدم، و المرة الثانية يوم حنين.
و في كلام القاضي عياض: ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك: أي بسط لها رداءه، ثم جاءت عمر ففعل كذلك.
و في كلام ابن كثير أن حديث مجيء أمه (صلى اللّه عليه و سلم) إليه في حنين غريب و إن كان محفوظا، فقد عمرت دهرا طويلا لأن من وقت أرضعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى وقت الجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين أزيد من ستين سنة. و أقل ما كان عمرها حين أرضعته عليه الصلاة و السلام ثلاثين سنة و كونها وفدت على أبي بكر و عمر رضي اللّه تعالى عنهما تزيد المدة على المائة.
و عن أبي الطفيل قال: «رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقسم لحما بالجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين، كما تقدم، و الطائف و أنا غلام شاب فأقبلت امرأة، فلما رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بسط لها رداءه، فقيل: من هذه؟ قيل: أمه التي أرضعته (صلى اللّه عليه و سلم)» و في رواية «استأذنت امرأة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد كانت ترضعه، فلما دخلت عليه قال: أمي أمي و عمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه» ا ه. و تقدم عن شرح الهمزية لابن حجر أن من سعادة حليمة توفيقها للإسلام هي و زوجها و بنوها.
و في الأصل و من الناس من ينكر إسلامها، و أشار بذلك إلى شيخه الحافظ الدمياطي فإنه من جملة المنكرين حيث قال: أي في سيرته: حليمة لا يعرف لها صحبة و لا إسلام، و قد و هم غير واحد فذكروها في الصحابة و ليس بشيء، و كان