السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧٩ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
فلما كان نائما ظهرا أتاه جبريل و ميكائيل، فقالا: انطلق إلى ما سألت اللّه تعالى، فانطلقا بي إلى ما بين المقام و زمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظرا فعرجا بي إلى السموات سماء سماء» الحديث. و لا يخفى أن سياق هذا الحديث يدل على أن ذلك كان مناما، فلا يحسن أن يكون دليلا على قوله يقظة.
و قد جاء عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «فرج سقف بيتي و أنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة و إيمانا فأفرغهما في صدري، ثم أخذ بيدي فعرج إلى السماء» الحديث. و قد يدعى أن في رواية أبي ذر اختصارا و ليس فيها أن ذلك كان مناما أو يقظة.
أي و أما ما ادعاه بعضهم أن المعراج تكرر يقظة فغريب: إذ كيف يتكرر يقظة سؤال أهل كل باب من أبواب السماء هل بعث إليه، و كيف يتكرر سؤاله (صلى اللّه عليه و سلم) عن كل نبي، و كيف يتكرر فرض الصلوات الخمس و المراجعة، و أما مناما فلا بعد في تكرر ذلك توطئة لوقوعه يقظة أي و هذا منشأ اختلاف الروايات، أدخل بعض الرواة ما وقع في المنام ما وقع في اليقظة كما تقدم نظيره في الإسراء، و تعدد روايات الإسراء لا يقتضي تعدده في اليقظة خلافا لمن زعمه. و من ثم قال الحافظ ابن كثير: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد و أغرب، أي فالحق أنه إسراء واحد بروحه و جسده (صلى اللّه عليه و سلم) يقظة، و ذلك من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم). و ذكر بعضهم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان له إسراءات أربعة و عشرون مرة، و قيل ثلاثون مرة، منها مرة واحدة بروحه و جسده يقظة، و الباقي بروحه، رؤيا رآها: أي و من ذلك ما وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) في المدينة بعد الهجرة، و هو محمل قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ما فقدت جسده الشريف.
و في صبيحة ليلة المعراج أي حين زالت الشمس من اليوم الذي يلي الليلة التي فرضت فيها الصلوات الخمس كان نزول جبريل عليه الصلاة و السلام و إمامته بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ليعلمه أوقات الصلوات أي و كيفيتها أي لأنه لا يلزم من علمه (صلى اللّه عليه و سلم) بكيفية صلاة الركعتين و صلاة قيام الليل علم كيفية الصلوات الخمس و إن قلنا بأن الرباعية منها فرضت ركعتين، فأمر (صلى اللّه عليه و سلم) فصيح بأصحابه الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى به (صلى اللّه عليه و سلم) جبريل و صلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس فسميت تلك الصلاة الظهر، لأنها أول صلاة ظهرت، أو لأنها فعلت عند قيام الظهيرة: أي شدة الحر أو عند نهاية ارتفاع الشمس، و هذا الحديث ظاهر بأن صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس كانت بعد صلاته مع جبريل محتمل لأن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) صلى بصلاة جبريل و الناس صلوا بصلاته (صلى اللّه عليه و سلم).
ففي بعض الروايات «لما نودي بالصلاة جامعة فزعوا لذلك و اجتمعوا فصلى