السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧٧ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
غير ذات اللّه تعالى و اللّه أعلم.
ثم لا يخفى أن أكثر العلماء على أن الإسراء إلى بيت المقدس ثم المعراج إلى السماء كانا في ليلة واحدة، أي و قيل كان الإسراء وحده في ليلة، ثم كان هو و المعراج في ليلة أخرى.
قال: و قد جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما نزل إلى سماء الدنيا نظر إلى أسفل منه، فإذا هو برهج و دخان و أصوات، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا يتفكرون» أي و ذلك مانع لهم من التفكر في ملكوت السموات و الأرض أي لعدم نظرهم للعلامات الموصلة لذلك «لو لا ذلك لرأوا العجائب» أي أدركوها.
«ثم ركب (صلى اللّه عليه و سلم) البراق منصرفا» أي بناء على أنه لم يعرج على البراق «فمرّ بعير لقريش» إلى آخر ما تقدم انتهى.
أقول: ذكر بعضهم أن مما نزل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) بين السماء و الأرض أي عند نزوله من السماء قوله تعالى وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) [الصّافات: الآية ١٦٤] الآيات الثلاث، و قوله تعالى وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الزّخرف: الآية ٤٥] الآية، و الآيتان من آخر سورة البقرة، و تقدم أنهما نزلتا بقاب قوسين، و اللّه أعلم.
و استدل على أن كلا من الإسراء و المعراج كان يقظة بجسده (صلى اللّه عليه و سلم) و روحه بقوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: الآية ١] لأن العبد حقيقة هو الروح و الجسد قال تعالى أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) [العلق: الآيتان ٩ و ١٠] و قال وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجنّ: الآية ١٩] و لو كان الإسراء مناما لقال بروح عبده، و لأن الدواب التي منها البراق لا تحمل الأرواح، و إنما تحمل الأجساد.
و استدل على أن الرؤية كانت بعين بصره (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله تعالى ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى (١٧) [النّجم: الآية ١٧] لأن وصف البصر بعدم الإزاغة يقتضي أن ذلك يقظة، و لو كانت الرؤية قلبية لقال ما زاغ قلبه.
أقول: فيه أن لقائل أن يقول: يجوز أن يكون المراد بالبصر بصر قلبه، لما تقدم أن اللّه تعالى خلق لقلبه بصرا، و اللّه أعلم.
و قيل كان الإسراء بجسده، و المعراج بروحه الشريفة، أي بذاتها عرج بها حقيقة من غير إماتة للجسد، و كان حالها في ذلك أرقى منه كحالها بعد مفارقتها لجسدها بموته في صعودها في السموات حتى بين يدي اللّه تعالى، و هذا أمر فوق ما يراه النائم و غيره (صلى اللّه عليه و سلم)، لا تنال ذات روحه الصعود إلا بعد الموت لجسدها. قيل و من ثم لم يشنع كفار قريش إلا أمر الإسراء دون المعراج.