السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٩ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
و لما تبنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زيدا كان يقال له زيد بن محمد، و لم يذكر في القرآن من الصحابة أحد باسمه إلا هو كما سيأتي. قال ابن الجوزي: إلا ما يروى في بعض التفاسير أن السجلّ الذي في قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: الآية ١٠٤] اسم رجل كان يكتب للنبي (صلى اللّه عليه و سلم).
أي و قد أبدى السهيلي حكمة لذكر زيد باسمه في القرآن، و هي أنه لما نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب: الآية ٥] و صار يقال له زيد بن حارثة و لا يقال له زيد بن محمد، و نزع منه هذا التشريف شرفه اللّه تعالى بذكر اسمه في القرآن دون غيره من الصحابة، فصار اسمه يتلى في المحاريب.
و لا يخفى أنه يأتي في زيد ما تقدم في علي، و لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلا مريم و لزيد أخ اسمه جبلة أسنّ منه.
سئل جبلة: من أكبر أنت أم زيد؟ فقال زيد: أكبر مني و أنا ولدت قبله: أي لأن زيدا أفضل منه لسبقه للإسلام.
ثم أسلم من الصحابة أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه. قال بعضهم في سبب إسلامه، إنه كان صديقا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يكثر غشيانه في منزله و محادثته، و كان سمع قول ورقة له لما ذهب معه إليه كما تقدم، فكان متوقعا لذلك، فهو مع حكيم بن حزام في بعض الأيام إذ جاءت مولاة لحكيم و قالت له: إن عمتك خديجة تزعم في هذا اليوم أن زوجها نبيّ مرسل مثل موسى، فانسل أبو بكر حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسأله عن خبره، فقص عليه قصته المتضمنة لمجيء الوحي له بالرسالة، فقال صدقت، بأبي أنت و أمي و أهل الصدق أنت، أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه، فيقال إنه سماه يومئذ الصديق، و هذا السياق ربما يدل على أن إسلام أبي بكر تأخر إلى نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثر: الآية ١] بعد فترة الوحي، بناء على ما تقدم، و كونه سماه يومئذ الصديق لا ينافي ما سيأتي أنه سمي بذلك صبيحة الإسراء لما صدقه و قد كذبته قريش، لجواز أنه لم يشتهر بذلك إلا حينئذ.
و قد جاء في تفسير قوله تعالى: وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ [الزّمر: الآية ٣٣] أن الذي جاء بالصدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الذي صدق به أبو بكر. قال: و لما سمعت خديجة مقالة أبي بكر، خرجت و عليها خمار أحمر فقالت: الحمد للّه الذي هداك يا ابن أبي قحافة، و اسمه عبد اللّه: أي سماه بذلك رسول (صلى اللّه عليه و سلم) و كان اسمه قبل ذلك عبد الكعبة، فأبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أول من غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اسمه، و لقبه عتيق لحسن وجهه، أو لأنه عتق من الذمّ و العيب أي أو نظر إليه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال هذا عتيق من النار، فهو أول لقب وجد في الإسلام.
و قيل سمته بذلك أمه لأنه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة