السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٥٤ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
رضي اللّه تعالى عنهما «كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، فذكرنا نوحا بطول عبادته، و إبراهيم بخلته، و موسى بتكليم اللّه تعالى إياه، و عيسى برفعته إلى السماء، و قلنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل منهم؟ بعث إلى الناس كافة، و غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و هو خاتم الأنبياء؛ أي فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: فيم أنتم؟ فذكرنا له، فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط و لا همّ بها» أي ففي الحديث «ما من أحد إلا و يلقى اللّه عز و جل و قد همّ بمعصية عملها إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهمّ بها و لم يعملها» فليتأمل ما في ذلك.
و قد ذكر «أن والد زكريا لأمه على كثرة العبادة و البكاء، فقال له: أنت أمرتني بذلك يا أبت، أ لست أنت القائل: إن بين الجنة و النار عقبة لا يجوزها إلا البكاءون من خشية اللّه عز و جل؟ فقال: بلى، فجدّ و اجتهد».
و قد جاء في الحديث «أن يحيى هو الذي يذبح الموت يوم القيامة، يضجعه و يذبحه بشعرة تكون في يده و الناس ينظرون إليه، أي فإن الموت يكون في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة و النار، و يقال لأهلهما: أ تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت» أي يلقي اللّه عز و جل معرفته في قلوبهم، و تجسم المعاني جاء به الحديث الصحيح.
على أنه جاء في تفسير قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ [الملك: الآية ٢] أن الموت في صورة كبش، لا يمر على أحد إلا مات. و خلق الحياة في صورة فرس لا يمر على شيء إلا حيي، و هو يدل على أن الموت جسم، و أن الميت يشاهد حلول الموت به.
و قيل الذي يذبح الموت جبريل عليه الصلاة و السلام. و قيل إن في هذه السماء الثانية إدريس، و هو قول شاذ. و قيل يوسف جاءت به رواية ذكرها الجلال السيوطي في أوائل الجامع الصغير، و ذكر فيها أن ابني الخالة في السماء الثالثة كما تقدم، و تقدم أن بعضهم ذكر أنها رواية الشيخين عن أنس.
قال أبو حيان: و عيسى لفظ أعجمي. و الظاهر أن مثله يحيى، هذا كلامه. و في كلام غيره أن يحيى عربي، و منع صرفه العلمية و وزن الفعل.
و قيل في عيسى إنه عربي مشتق من العيس: و هو بياض يخالطه صفرة. و على أنه أعجمي قيل عبراني. و قيل سرياني.
«ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا