السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧٨ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
أقول: الظاهر أن إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بالمعراج لم يكن عند إخباره بالإسراء، بل تأخر عن إخباره بالإسراء بناء على أنهما كان في ليلة واحدة، و إلا فقد ذكر بعضهم أن المعراج لم يكن ليلة الإسراء الذي أخبر به كفار قريش قال: إذ لو كان أي في تلك الليلة لأخبر به حين أخبرهم بالإسراء، أي و لم يخبر به حينئذ، إذ لو أخبر به حينئذ لنقل، و لذكره سبحانه تعالى مع الإسراء، لأن المعراج أبلغ في المدح و الكرامة و خرق العادة من الإسراء إلى المسجد الأقصى.
و أجيب عنه بأنه على تسليم أنه كان في ليلة الإسراء الذي أخبر به قريشا هو (صلى اللّه عليه و سلم) استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء أولا، فلما ظهرت لهم امارات صدقه على تلك الآية الخارقة التي هي الإسراء أخبرهم بما هو أعظم منها و هو المعراج بعد ذلك: أي و حيث أخبرهم بذلك لم ينكروه لذلك أي لثبوت صدقه (صلى اللّه عليه و سلم) فيما ادعاه من الإسراء.
و تقدم عن المواهب أنهم لم يسألوه عن علامات تدل على صدقه (صلى اللّه عليه و سلم) في ذلك، لعدم علمهم و معرفتهم بشيء في السماء، و الحق سبحانه و تعالى أرشده إلى ذلك: أي إلى أن يخبرهم بالإسراء أولا ثم بالمعراج ثانيا، حيث لم ينزل قصة المعراج في سورة الإسراء» بل أنزل ذلك في سورة النجم.
و مما يؤيد أنهما كانا في ليلة واحدة قول الإمام البخاري في صحيحه «باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء» لأن من المعلوم أن فرض الصلاة: أي الصلوات الخمس إنما هو في المعراج.
و أما افراده كلا من الإسراء و المعراج بترجمة فلا يخالف ذلك، لأنه إنما أفرد كلا منهما بترجمة، لأن كلا منهما يشتمل على قصة منفردة و إن كانا وقعا معا.
و قد خالف الحافظ الدمياطي في سيرته، فذكر أن المعراج كان في رمضان، و الإسراء كان في ربيع الأول، و اللّه أعلم.
و قيل الإسراء وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) أي بعد البعثة مرتين مناما أولا و يقظة ثانيا أي فكانت مرة المنام توطئة و تبشيرا لوقوعه يقظة، و بذلك يجمع بين الاختلاف الواقع في الأحاديث، أي فبعض الرواة خلط الواقع له (صلى اللّه عليه و سلم) مناما بالواقع له (صلى اللّه عليه و سلم) يقظة.
و على هذا لا يشكل قول شريك: فلما استيقظت، لكنه قال إن مرة المنام كانت قبل البعثة، ففي رواية «و ذلك قبل أن يوحى إليّ» و قد أنكر الخطابي عليه ذلك، و عدّه من جملة أوهامه الواقعة في حديث الإسراء و المعراج. ورد على الخطابي الحافظ ابن حجر في ذلك بما ينبغي الوقوف عليه.
و قيل كان المعراج يقظة، و لم يكن ليلا، و لم يكن من بيت المقدس، بل كان من مكة و كان نهارا، فقد جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يسأل ربه عز و جل أن يريه الجنة و النار،