السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٣ - باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، و زوجته
هل من كلمة غيرها، فإن قومك قد كرهوها، قال: يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها، ثم قال بعضهم لبعض: و اللّه ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا و امضوا على دين آبائكم حتى يحكم اللّه بينكم و بينه ثم تفرقوا. و في لفظ قالوا عند قيامهم: و اللّه لنشتمك و إلهك الذي يأمرك بهذا، أي و في لفظ لتكفن عن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي أمرك بهذا.
قال في الينبوع: و هذه العبارة أحسن من الأولى، لأنهم كانوا يعرفون أنه يعبد اللّه، و ما كانوا ليسبوا اللّه عالمين، لكنهم ما كانوا يعرفون أن اللّه أمره بذلك، و ذكر أن ذلك سبب نزول قوله تعالى وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية ١٠٨].
هذا، و في النهر أن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: إما أن تنهى محمدا عن سب آلهتنا و النقص منها، و إما أن نسبّ إلهه و نهجوه، قال فيه:
و حكم هذه الآية باق في هذه الأمة، فإذا كان الكافر في منعة و خيف أن يسب الإسلام أو الرسول فلا يحل للمسلم ذم دين الكافر، و لا يتعرض لما يؤدي إلى ذلك، لأن الطاعة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة خرجت عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها كما ينهى عن المعصية هذا كلامه.
و عند ذلك قال أبو طالب لرسول (صلى اللّه عليه و سلم): و اللّه يا بن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا أي بالحاء و الطاء المهملتين أمرا بعيدا، فلما قال ذلك طمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيه، فجعل يقول: أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة: أي لو ارتكبت ذنبا بعد قولها، و إلا فالإسلام يجبّ ما قبله، فلما رأى حرص رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له:
و اللّه يا بن أخي لو لا مخافة السبة: أي العار عليك و على بني أبيك من بعدي، و أن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا: أي بالجيم و الزاي خوفا من الموت، و هذا هو المشهور. و قيل بالخاء المعجمة و الراء، أي ضعفا لقلتها، و في رواية: لأقررت بها عينك لما أرى من شدة وجدك، لكني أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب و هاشم و عبد مناف، فأنزل اللّه تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: الآية ٥٦] الآية.
أي و عن مقاتل «أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا و صدقوه تفلحوا و ترشدوا، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم و تدعها لنفسك؟ قال. فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد أن تقول لا إله إلا اللّه أشهد لك بها عند اللّه تعالى، فقال: يا بن أخي قد علمت أنك صادق لكني أكره أن يقال» الحديث، قال في الهدى: و كان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها: أي و كذا أقرباؤه و بنو عمه تأخر إسلام من أسلم منهم، و لو أسلم أبو طالب و بادر أقرباؤه و بنو عمه إلى الإيمان به لقيل قوم