السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٤ - باب عرض قريش عليه
بقول بعضهم إن انشقاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة في جنح ليلة و معظم الناس نيام.
و في فتح الباري حنين الجذع و انشقاق القمر، نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث.
أقول: و إلى انشقاق القمر أشار صاحب الهمزية بقوله:
شق عن صدره و شق له البد* * * ر و من شرط كل شرط جزاء
أي شق عن صدره (صلى اللّه عليه و سلم). و في نسخة قلبه و كل منهما صحيح، لأنه شق صدره أولا ثم شق قلبه ثانيا، و شق لأجله القمر ليلة أربعة عشر، و إنما شق له (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن من شرط كل شرط جزاء، لأنه لما شق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) جوزي على ذلك بأعظم مشابه له في الصورة، و هو شق القمر الذي هو من أظهر المعجزات بل أعظمها بعد القرآن، و قد أشار إلى ذلك أيضا الإمام السبكي في تائيته بقوله:
و بدر الدياجي انشق نصفين عند ما* * * أرادت قريش منك إظهار آية
أي فإنهم ائتمروا فيما بينهم، فاتفقوا على أن يقترحوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يريهم انشقاق القمر الذي هو بعيد عن الأطماع في غاية الامتناع: أي فقد سألوه أولا آية غير معينة ثم عينوها.
و في الإصابة عن بعضهم قال: «و أنا ابن تسع عشرة سنة سافرت مع أبي و عمي من خراسان إلى الهند في تجارة، فلما بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى ضيعة من الضياع، فعرج أهل القافلة نحوها فسألناهم عن ذلك، فقالوا هذه ضيعة الشيخ زين الدين المعمر، فرأينا شجرة خارج الضيعة تظل خلقا كثيرا و تحتها جميع عظيم من أهل تلك الضيعة، فلما رأونا رحبوا بنا، فرأينا زنبيلا معلقا في بعض أغصان تلك الشجرة، فسألناهم فقالوا في هذا الزنبيل الشيخ زين الدين رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و دعا له بطول العمر ست مرات، فبلغ ستمائة سنة كل دعوة بمائة سنة، فسألناهم أن ينزلوا الشيخ لنسمع كلامه و حديثه، فتقدم شيخ منهم فأنزل الزنبيل، فإذا هو مملوء بالقطن و الشيخ في وسط القطن و هو كالفرخ فوضع فمه على أذنه و قال: يا جداه هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان و قد سألوا أن تحدثهم كيف رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما ذا قال لك؟ فعند ذلك تنفس الشيخ و تكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية و نحن نسمع، فقال: سافرت مع أبي و أنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة، فلما بلغنا بعض أودية مكة و كان المطر قد ملأ الأودية فرأيت غلاما حسن الشمائل يرعى إبلا في تلك الأودية و قد حالت السيل بينه و بين إبله و هو يخشى من خوض الماء لقوة السيل، فعلمت حاله، فأتيت إليه و حملته و خضت به السيل إلى عند إبله من غير