السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٥ - باب عرض قريش عليه
معرفة سابقة، فلما وضعته عند إبله نظر إليّ و دعا لي، ثم عدنا إلى بلادنا و تطاولت المدة، ففي ليلة و نحن جلوس في ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة ليلة البدر و البدر في كبد السماء، إذ نظرنا إليه قد انشق نصفين، فغرب نصف في المشرق و نصف في المغرب و أظلم الليل ساعة، ثم طلع النصف من المشرق و الثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء كما كان أول مرة، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، و لم نعرف لذلك سببا، فسألنا الركبان عن سببه فأخبرونا أن رجلا هاشميا ظهر بمكة و ادعى أنه رسول اللّه إلى كافة العالم و أن أهل مكة سألوه معجزة، و اقترحوا عليه أن يأمر لهم القمر فينشق في السماء و يغرب نصفه في المشرق و نصفه في المغرب، ثم يعود إلى ما كان عليه، ففعل لهم ذلك، فاشتقت إلى رؤياه، فذهبت إلى مكة و سألت عنه فدلوني على موضعه، و أتيت إلى منزله، و استأذنت فأذن لي في الدخول فدخلت عليه، فلما سلمت عليه نظر إليّ و تبسم و قال: ادن مني و بين يديه طبق فيه رطب، فتقدمت و جلست و أكلت من الرطب، و صار يناولني، إلى أن ناولني ست رطبات، ثم نظر إليّ و تبسم و قال لي: أ لم تعرفني؟ قلت لا، فقال: أ لم تحملني في عام كذا في السيل؟ ثم قال: امدد يدك فصافحني و قال: قل أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه، فقلت ذلك، فسرّ أي و قال عند خروجي من عنده بارك اللّه في عمرك، قال ذلك ست مرات، فبارك اللّه لي في عمري بكل دعوة مائة سنة، فعمري اليوم ستمائة سنة: أي في المائدة السادسة مشرف على تمامها تأمل.
و سئل الحافظ السيوطي عن مثل هذا الحديث، و هو الحديث الذي رواه معمر، الذي يزعم أنه صحابي، و أنه يوم الخندق صار ينقل التراب بغلقين: و بقية الصحابة بغلق واحد، فضرب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بكفه الشريف بين كتفيه أربع ضربات، و قال له:
عمرك اللّه يا معمر، فعاش بعد ذلك أربعمائة سنة ببركة الضربات التي ضربها بين كتفيه كل ضربة مائة سنة، و قال له بعد أن صافحه: من صافحك إلى ست أو سبع لم تسمه النار، هل هو صحيح أم هو كذب و افتراء لا تجوز روايته؟ فأجاب بأنه باطل و أن معمرا هذا كذاب دجال، لأنه ثبت في الصحيح أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال قبل موته بشهر «أ رأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» و قد قال أهل الحديث و غيرهم: إن من ادعى الصحبة بعد مائة سنة من وفاته (صلى اللّه عليه و سلم) فهو كذاب، و معلوم أن آخر الصحابة مطلقا موتا أبو الطفيل، مات سنة عشرة و مائة من الهجرة ثبت ذلك في صحيح مسلم» و اتفق عليه العلماء، فمن ادعى الصحبة بعد أبي الطفيل فهو كذاب.
و مما سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) من الآيات المعينات ما حدث به بعضهم، قال: «إن قريشا قالت له (صلى اللّه عليه و سلم): سل ربك يسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، و يبسط لنا