السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٠ - باب بدء الوحي له
من ذلك الغير أنه قيل كان يتعبد قبل النبوة بشرع إبراهيم. و قيل بشريعة موسى غير ما نسخ منها في شرعنا و قيل بكل ما صح أنه شريعة لمن قبله غير ما نسخ من ذلك في شرعنا.
و في كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: تعبد (صلى اللّه عليه و سلم) قبل نبوته بشريعة إبراهيم حتى فجأه الوحي و جاءته الرسالة، فالولي الكامل يجب عليه متابعة العمل بالشريعة المطهرة حتى يفتح اللّه له في قلبه عين الفهم عنه فيلهم معاني القرآن، و يكون من المحدثين بفتح الدال ثم يصير إلى إرشاد الخلق. و كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللّه تعالى ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد اللّه تعالى به ما أراد من كرامته (صلى اللّه عليه و سلم) و ذلك شهر رمضان، و قيل شهر ربيع الأول، و قيل شهر رجب خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى حراء كما كان يخرج لجواره و معه أهله: أي عياله التي هي خديجة رضي اللّه تعالى عنها إما مع أولادها أو بدونهم، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللّه تعالى فيها برسالته و رحم العباد بها، و تلك الليلة ليلة سبع عشرة من ذلك الشهر، و قيل رابع عشر منه، و قيل كان ذلك ليلة ثمان من ربيع الأول: أي و قيل ليلة ثالثة.
قال بعضهم: القول بأنه في ربيع الأول يوافق القول بأنه بعث على رأس الأربعين لأن مولده (صلى اللّه عليه و سلم) كان في ربيع الأول على الصحيح: أي و هو قول الأكثرين و قيل كان ذلك ليلة أو يوم السابع و العشرين من رجب.
فقد أورد الحافظ الدمياطي في سيرته عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال:
«من صام يوم سبع و عشرين من رجب كتب اللّه تعالى له صيام ستين شهرا» و هو اليوم الذي نزل فيه جبريل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالرسالة و أول يوم هبط فيه جبريل هذا كلامه، أي أول يوم هبط فيه على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يهبط عليه قبل ذلك، و سيأتي في بعض الروايات أن جبريل (عليه السلام) نزل في سحر تلك الليلة التي هي ليلة الاثنين.
و يجوز أن يكون كل من تلك الليالي كانت ليلة الاثنين، فقد جاء أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبلال: «لا يفوتك صوم يوم الاثنين، لأني ولدت فيه، و نبئت فيه» فلا مخالفة بين كونه نبئ في الليل و بين كونه نبئ في اليوم، لأن السحر قد يلحق بالليل.
و في كلام بعضهم أتاه (صلى اللّه عليه و سلم) جبريل ليلة السبت و ليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان في حراء، فجاء بأمر اللّه تعالى و هذا القول: أي أن البعث كان في رمضان قال به جماعة، منهم الإمام الصرصري حيث قال:
و أتت عليه أربعون فأشرقت* * * شمس النبوة منه في رمضان