السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥٤ - باب عرض قريش عليه
أصابعه، فو اللّه لو وضع مالك أصبعا من أصابعه على السماء لأذابها، و هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء، و لكل واحد أتباع لا يعلم عدتهم إلا اللّه تعالى. قال تعالى: وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدّثّر: الآية ٣١] أي و هؤلاء الأتباع منهم.
و أخرج هناد عن كعب قال: يؤمر بالرجل إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك: أي و المتبادر أن هؤلاء من خزنتها.
و في كلام بعضهم: لم يثبت لملائكة النار عدد معين سوى ما في قوله تعالى:
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) [المدّثّر: الآية ٣٠] و إنما ذلك لسقر التي هي إحدى دركات النار، لقوله تعالى قبل ذلك سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدّثّر: الآية ٢٦] و قد يكون على كل واحدة منها مثل هذا العدد أو أكثر. قيل و «بسم اللّه الرحمن الرحيم» عدد حروفها على عدد هؤلاء الزبانية التسعة عشر، فمن قرأها و هو مؤمن دفع اللّه تعالى عنه بكل حرف منها واحدا منهم.
أقول: و من استهزاء أبي جهل أيضا أنه قال يوما لقريش و هو يهزأ برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بما جاء به من الحق: يا معشر قريش يخوّفنا محمد بشجرة الزقوم، يزعم أنها شجرة في النار يقال لها شجرة الزقوم، و النار تأكل الشجر، إنما الزقوم التمر و الزبد.
و في لفظ: العجوة تترب بالزبد، هاتوا تمرا و زبدا و تزقموا، فأنزل اللّه تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) [الصّافات: الآية ٦٤] أي منبتها في أصل جهنم و لا تسلط لجهنم عليها، أ ما علموا أن من قدر على خلق من يعيش في النار و يلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار و حفظه من الإحراق بها؟
و قد قال ابن سلام رضي اللّه تعالى عنه: إنها تحيا باللهب كما يحيا شجر الدنيا بالمطر، و ثمر تلك الشجرة مرّ له زفرة. و أخرج الترمذي و صححه النسائي و البيهقي و ابن حبان و الحاكم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن تكون طعامه؟» أي و قال: يا محمد لتتركن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية ١٠٨] فكف عن سبّ آلهتهم، و جعل يدعوهم إلى اللّه عزّ و جلّ.
ثم رأيت في الدر المنثور في تفسير إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] قيل نزلت في جماعة مرّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بهم، فجعلوا يغمزون في قفاه و يقولون. هذا الذي يزعم أنه نبي و معه جبريل، فغمز جبريل عليه الصلاة و السلام بإصبعه في أجسادهم فصارت جروحا و أنتنت، فلم يستطع أحد يدنو منهم حتى ماتوا فلينظر الجمع على تقدير الصحة.
و قد يدّعى أنهم طائفة آخرون غير من ذكر، لأنهم المستهزءون ذلك الوقت،