السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٥٩ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
أقول: عن بعضهم «أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك» و في رواية «سبعون وجيها، مع كل وجيه سبعون ألف ملك» و الوجيه: الرئيس، و لعله (صلى اللّه عليه و سلم) علم ذلك بإعلام جبريل، و إلا فرؤيته (صلى اللّه عليه و سلم) له تلك الليلة لا تقتضي ذلك.
ثم رأيت الشيخ عبد الوهاب الشعراني أشار إلى ذلك حيث قال «و سما له البيت المعمور، فنظر إليه و ركع فيه ركعتين و عرّفه» أي جبريل «أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الباب الواحد، و يخرجون من الباب الآخر» فالدخول من باب مطالع الكواكب و الخروج من باب مغاربها. و الظاهر أن دخول هؤلاء الملائكة خاص بالذي في السماء السابعة.
و قال السهيلي: و قد ثبت في الصحيح «أن أطفال المؤمنين و الكافرين في كفالة إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لجبريل حين رآهم مع إبراهيم عليه الصلاة و السلام: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أولاد المؤمنين الذين يموتون صغارا، قال له: و أولاد الكافرين؟ قال له: و أولاد الكافرين» أخرجه البخاري في الحديث الطويل في كتاب الجنائز، و خرجه في موضع آخر فقال «فيه أولاد الناس».
و قد روي في أطفال الكافرين أيضا أنهم خدم أهل الجنة، هذا كلامه. و جاء في حديث مرفوع، لكن سنده ضعيف «إن في السماء الرابعة نهرا يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم» أي سحرا كما في بعض الروايات «فينغمس ثم يخرج فينتفض، فيخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق اللّه تعالى من كل قطرة ملكا» و في لفظ «يخلق اللّه عز و جل من كل قطرة كذا و كذا ألف ملك يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور يصلون فيه، فهم الذين يصلون في البيت المعمور ثم لا يعودون إليه أبدا، يولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفا يسبحون اللّه عز و جل إلى أن تقوم الساعة» و ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن جبريل أخبره بذلك في تلك الليلة، و اللّه أعلم.
و في رواية «و إذا أنا بأمتي شطرين شطرا عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، و شطرا عليهم ثياب رمدة، فدخلت البيت المعمور و دخل معي الذين عليهم الثياب البيض و حجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة، فصليت أنا و من معي في البيت المعمور» أي و الظاهر أنه ليس المراد بالشطر النصف حتى يكون العصاة من أمته بقدر الطائعين، و إن الصلاة محتملة للدعاء و لذات الركوع و السجود، و يناسبه ما تقدم من قوله ركعتين «و أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام قال له: يا نبي اللّه إنك ملاق ربك الليلة، و إن أمتك آخر الأمم و أضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك في أمتك فافعل».
و في السيرة الشامية أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، قال له (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك في