السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢ - باب نسبه الشريف
طرق مكة جزورا و نحر بمكة و جعل الثريد و اللحم، و سقي الماء المحلى بالزبيب و سقي اللبن. و هو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر.
و مما يؤثر عن قصي: من أكرم لئيما أشركه في لؤمه. و من استحسن قبيحا نزل إلى قبحه. و من لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان. و من طلب فوق قدره استحق الحرمان. و الحسود العدو الخفي.
و لما احتضر قال لأولاده: اجتنبوا الخمرة، فإنها تصلح الأبدان و تفسد الأذهان.
و حاز قصي شرف مكة كله، فكان بيده السقاية و الرفادة و الحجابة و الندوة و اللواء و القيادة.
و كان عبد الدار أكبر أولاد قصي و عبد مناف أشرفهم: أي لأنه شرف في زمان أبيه قصي، و ذهب شرفه كل مذهب، و كان يليه في الشرف أخوه المطلب، كان يقال لهما البدران، و كانت قريش تسمي عبد مناف الفياض لكثرة جوده، فأعطى قصي ولده عبد الدار جميع تلك الوظائف التي هي السقاية و الرفادة و الحجابة و الندوة و اللواء و القيادة: أي فإنه قال له: أما و اللّه يا بني لألحقنك بالقوم يعني أخويه عبد مناف و المطلب و إن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له: أي بسبب الحجابة للبيت، و لا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك: أي و هذا هو المراد باللواء، و لا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، و هذا هو المراد بالسقاية، و لا يأكل أحد من أهل الموسم إلا من طعامك: أي و هذا هو المراد بالرفادة و لا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك يعني دار الندوة: أي و لا يكون أحد قائد القوم إلا أنت و ذلك بسبب القيادة.
فلما مات عبد الدار و أخوه عبد مناف أراد بنو عبد مناف و هم هاشم و عبد شمس و المطلب، و هؤلاء إخوة لأب و أم، أمهم عاتكة بنت مرة، و نوفل أخوهم لأبيهم، أمه واقدة بنت حرمل أن يأخذوا تلك الوظائف من بني عمهم عبد الدار، و أجمعوا على المحاربة: أي و أخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند باب الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها، و تعاقدوا هم و حلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين: أي أخرجتها لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و توأمة أبيه، و وضعتها في الحجر و قالت: من تطيب بهذا فهو منا، فتطيب منها مع بني عبد مناف بنو زهرة و بنو أسد بن عبد العزى و بنو تميم بن مرة و بنو الحارث بن فهر، فالمطيبون من قريش خمس قبائل. و تعاقد بنو عبد الدار و أحلافهم، و هم: بنو مخزوم و بنو سهم و بنو جمح و بنو عدي بن كعب، على أن لا يتخاذلوا و لا يسلم بعضهم بعضا،