السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٧٠ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
حجر الهيتمي، قال: و يمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل إسلامه، هذا كلامه فليتأمل ما فيه.
قال: و من ذلك أي مما كان سببا لإسلام عمر «أن أبا جهل بن هشام، قال: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم و سفه أحلامكم، و زعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون في النار، ألا و من قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء و سوداء، و ألف أوقية من فضة: أي و في لفظ: جعلوا لمن يقتله كذا و كذا أوقية من الذهب، و كذا كذا أوقية من الفضة، و كذا كذا نافجة من المسك، و كذا كذا ثوبا و غير ذلك، فقال عمر: أنا لها، فقالوا له: أنت لها يا عمر و تعاهد معهم على ذلك، قال عمر:
فخرجت متقلدا سيفي متنكبا كنانتي: أي جعلتها في منكبي أريد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
فمررت على عجل يذبح، فسمعت من جوفه صوتا يقول: يا آل ذريح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لا يراد به إلا أنت، و ذريح اسم للعجل المذبوح، و قيل له ذلك من أجل الدم، لأن الذريح شديد الحمرة، يقال أحمر ذريحي: أي شديد الحمرة، ثم مر برجل أسلم و كان يكتم إسلامه خوفا من قومه، يقال له نعيم:
أي ابن عبد اللّه النحام كما تقدم، فقال له: أين تذهب يا بن الخطاب؟ فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش و سفه أحلامها و سب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم:
و اللّه لقد غرتك نفسك: أ ترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض و قد قتلت محمدا؟ فلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: و أي أهل بيتي؟ قال:
ختنك أي زوج أختك و ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و أختك قد أسلما فعليك، و إنما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قيل الذي لقيه سعد بن أبي وقاص، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال له: أنت أصغر و أحقر من ذلك، تريد أن تقتل محمدا و تدعك بنو عبد مناف أن تمشي على الأرض، فقال له عمر: ما أراك إلا و قد صبأت فأبدأ بك فأقتلك، فقال سعد: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، فسلّ عمر سيفه و سلّ سعد سيفه و شد كل منهما على الآخر حتى كادا أن يختلطا، ثم قال سعد لعمر: ما لك يا عمر لا تصنع هذا بختنك و أختك، فقال صبآ قال نعم، فتركه عمر و سار إلى منزل أخته» أي و لا مانع أن يكون لقي كلا من نعيم و سعد بن أبي وقاص و قال له كل منهما ما ذكر.
و في هذه الرواية «وجد عندهم خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم، و إنه دق عليهم الباب، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب: أي و ترك الصحيفة، فلما دخل قال لأخته: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت