السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٣٩ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
رجلا من كل سبط واحدا ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا هائلا من عظم أجسادهم. فقد ذكر بعضهم أنه رأى في فجاج: أي نقرة عين رجل منهم ضبعة رابضة، أي جالسة هي و أولادها حولها، و الفجاج في الأصل الطريق الواسع، و استظل سبعون رجلا من قوم موسى في قحف رجل منهم، أي في عظم أمّ رأسه، و في العرائس: و كان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم، و يدخل في قشرة الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة، و إن رجلا من العماليق أخذ الاثني عشر و وضعهم في كمه مع فاكهة كانت فيه، و جاء بهم إلى ملكهم فسألهم فقالوا نحن عيون موسى فقال ارجعوا و أخبروه. و في العرائس أنه عوج بن عنق إحدى بنات آدم (عليه السلام) من صلبه، و يقال إنها أول بغيّ في الأرض.
و في العرائس: أنه لما لقيهم كان على رأسه حزمة حطب، و أخذ الاثني عشر في حجره و انطلق بهم لامرأته، و قال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، و طرحهم بين يديها، و قال لها: أ لا أطحنهم برجلي، فقالت امرأته: لا و لكن خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك، فلما رجعوا أخبروا موسى عليه الصلاة و السلام، فقال: اكتموا خوفا من بني إسرائيل أن يفشلوا و يرتدوا عن موسى فلم يفعلوا، و أخبر كل واحد سبطه بشدة ما رآه من أمرهم الهائل، ففشلوا و جبنوا عن القتال إلا رجلان لم يخبرا سبطيهما و هما يوشع بن نون من سبط يوسف، و كالب بن يوحنا من سبط بنيامين، و قالوا لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة: الآية ٢٤] فدعا عليهم و قال رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي [المائدة: الآية ٢٥] أي: فإنه لم يبق معه موافق يثق به غير أخيه هارون و كالب و يوشع، و هما المذكوران بقوله تعالى قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ [المائدة: الآية ٢٣] لأن اللّه منجز وعده و إنا قد خبرناهم فوجدنا أجسامهم عظيمة و قلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: الآية ٢٣] و حينئذ يكون مراد موسى بقوله و أخي من و اخاه و وافقه لا خصوص هارون، ثم دعا بقوله فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: الآية ٢٥] أي باعد بيننا و بينهم فضرب عليه التيه فتاهوا، أي تحيروا في ستة فراسخ من الأرض، يمشون النهار كله ثم يمسون حيث أصبحوا و يصبحون حيث أمسوا، و أنزل اللّه تعالى عليهم المنّ و السلوى، لأنهم شغلوا عن المعاش، و أبقيت عليهم ثيابهم لا تخلق و لا تتسخ، و تطول مع الصغير إذا طال، و ظلل عليهم الغمام من الشمس، و لما رأى موسى عليه الصلاة و السلام ما بهم من التعب ندم على دعائه عليهم.
و في حياة الحيوان: لما عبد بنو إسرائيل العجل أربعين يوما عوقبوا بالتيه أربعين سنة لكل يوم سنة، فأوحى اللّه تعالى له فَلا تَأْسَ أي لا تحزن عَلَى الْقَوْمِ