السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٣٨ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
عن المغيب أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله:
و شمس الضحى طاعتك وقت مغيبها* * * فما غربت بل وافقتك بوقفة
و جاء في بعض الروايات: أنها حبست له (صلى اللّه عليه و سلم) عن الطلوع، ففي رواية: أن بعضهم قال له أخبرنا عن عيرنا «قال مررت بها بالتنعيم، قالوا: فما عدتها و أحمالها و من فيها؟ فقال: كنت في شغل عن ذلك، ثم قيل له ذلك فأخبر بعدتها و عدة أحمالها و عدة من فيها، و قال: تطلع عليكم عند طلوع الشمس، فحبس اللّه تعالى الشمس عن الطلوع حتى قدمت تلك العير».
فلما خرجوا لينظروا فإذا قائل يقول: هذه الشمس قد طلعت، و قال آخر:
و هذه العير قد أقبلت فيها فلان و فلان كما أخبر محمد (صلى اللّه عليه و سلم)». و على تقدير صحة هذه الروايات يجاب عنها بمثل ما تقدم و اللّه أعلم، و حبس الشمس وقوفها عن السير: أي عن الحركة بالكلية، و قيل بطء حركتها، و قيل ردها إلى ورائها، قالوا: و لم تحبس له (صلى اللّه عليه و سلم) إلا ذلك اليوم و ما قيل إنها حبست له (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الخندق عن الغروب أيضا حتى صلى العصر معارض بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى العصر بعد غروب الشمس و قال «شغلونا عن الصلاة الوسطى» كما سيأتي، ثم رأيت في كلام بعضهم ما يؤخذ منه الجواب، و هو أن وقعة الخندق كانت أياما فحبست الشمس في بعض تلك الأيام إلى الاحمرار و الاصفرار و صلى حينئذ، و في بعضها لم تحبس بلى صلى بعد الغروب قال ذلك البعض: و يؤيده أن راوي التأخير إلى الغروب غير راوي التأخير إلى الحمرة أو الصفرة.
و جاء في رواية ضعيفة أن الشمس حبست عن الغروب لداود عليه الصلاة و السلام. و ذكر البغوي أنها حبست كذلك لسليمان عليه الصلاة و السلام.
أي فعن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه «أن اللّه أمر الملائكة الموكلين بالشمس حتى ردوها على سليمان حتى صلى العصر في وقتها» و هذا ردّ لها لا حبس لها عن غروبها الذي الكلام فيه. و الذي في كلام بعضهم إنما ضرب سيدنا سليمان سوق خيله و أعناقها حيث ألهاه عرضها عليه عن صلاة العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، و لم يتصدق بها مبادرة لتعظيم أمر اللّه تعالى بالصلاة في وقتها لأن التصدق يحتاج إلى صرف زمن في دفعها و أخذها. و حبست كذلك ليوشع ابن أخت موسى عليه الصلاة و السلام و هو ابن نون بن يوسف الصديق عليه الصلاة و السلام، أي و هو الذي قام بالأمر بعد موسى، لأن موسى عليه الصلاة و السلام لما وعده اللّه تعالى أن يورثه و قومه بني إسرائيل الأرض المقدسة التي هي أرض الشام، و كان سكنها الكنعانيون الجبارون، و أمر بمقاتلة أولئك الجبارين و هم العماليق، سار بمن معه و هم ستمائة ألف مقاتل حتى نزل قريبا من مدينتهم و هي أريحا، فبعث إليهم اثني عشر