السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٣٦ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
و في رواية: «قالوا يا مطعم دعنا نسأله عما هو أغنى لنا عن بيت المقدس» أي فقولهم ذلك كان بعد أن أخبرهم ببيت المقدس «يا محمد أخبرنا عن عيرنا»: أي عيراتنا الذاهبة و الآتية «هل لقيت منها شيئا، فقال نعم أتيت على عير بني فلان بالروحاء» أي و هو محل قريب من المدينة، أي بينه و بين المدينة ليلتان «قد أضلوا ناقة لهم فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد، و إذا قدح ماء فشربت منه فاسألوهم عن ذلك، فقالوا هذه و اللات و العزى آية» أي علامة.
أقول: و هذه العير هي التي مر (صلى اللّه عليه و سلم) عليها في العود و هي قادمة إلى مكة، و في هذه الرواية: زيادة أنهم أضلوا ناقة، و تقدم في تلك الرواية، أنه (صلى اللّه عليه و سلم) وجدهم نياما، و في هذه الرواية: إنه ليس بها منه أحد. و قد يقال: لا مخالفة بين الروايتين، لأنه يجوز أن يكون الراوي أسقط منها هذه الزيادة و هي إضلال الناقة، و أن قوله (صلى اللّه عليه و سلم) ليس بها منهم أحد، أي مستيقظ، بل بعضهم ذهب في طلب تلك الناقة، و بعضهم كان نائما، لكن في هذه الرواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) مر عليها و هي بالروحاء، و هو لا يناسب قوله في تلك إنها الآن تصوب من الثنية لأن كونها تأتي من الروحاء إلى مكة في ليلة واحدة من أبعد البعيد، إلا أن يقال إن الروحاء مشتركة بين المحل المعروف المتقدم ذكره و محل آخر قريب من مكة، و اللّه أعلم.
ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): «فانتهيت إلى عير بني فلان فنفرت منها» أي من الدابة التي هي البراق «الإبل» أي التي هي العير «و برك منها جمل أحمر، عليه جوالق مخطط ببياض لا أدري أكسر البعير أم لا؟» و هذه الرواية يحتمل أنها ثالثة. و يمكن أن تكون هي الأولى، أسقط من تلك قوله في هذه: و برك منها جمل إلى آخره، كما أسقط من هذه قوله: في تلك: فندّ لهم بعير.
و في رواية: «ثم انتهيت إلى عير بني فلان بمكان كذا و كذا فيها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء و غرارة بيضاء، فلما حاذت العير نفرت و صرع ذلك البعير و انكسر، أي و أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان أي بدلالتي لهم عليه فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد فاسألوهم عن ذلك» فعلم أن هذه الرواية و التي قبلها هي الأولى، غاية الأمر أنه زيد في هذه قوله: فسلمت عليهم فقالوا هذه و اللات و العزى آية، قال (صلى اللّه عليه و سلم) «ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالأبواء» أي و هو كما تقدم غير مرة أنه محل بين مكة و المدينة «يقدمها جمل أورق أي بياضه إلى سواد كما تقدمها هي تطلع عليكم من الثنية، فانطلقوا لينظروا فوجدوا الأمر كما قال (صلى اللّه عليه و سلم) فقالوا صدق الوليد فيما قال أي في قوله إنه ساحر، و أنزل اللّه تعالى وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: الآية ٦٠] و هذا يدل على أن المراد رؤيا الإسراء و أنها رؤيا العين، و أنه يقال في مصدرها رؤيا بالألف كما يقال رؤية بالتاء خلافا لمن أنكر ذلك، إذ