السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٥٤ - باب بدء الوحي له
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] و من ثم قال الحافظ الدمياطي: نزول اقرأ بدون بسملة يدل على أن البسملة ليست آية من كل سورة، و استدل به: أي بعدم نزولها في أول سورة اقرأ أيضا كما قال الإمام النووي من يقول إن البسملة ليست بقرآن في أوائل السور: أي و إنما أنزلت و كتبت للفصل و التبرك بالابتداء بها، و هذا القول ينسب لقول إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه في القديم و هو قول قدماء الحنفية.
قال: و جواب المثبتين أي لقرآنيتها في ذلك أنها نزلت في وقت آخر كما نزل باقي السورة: أي سورة اقرأ.
و جوابهم أيضا بأن الإجماع من الصحابة و السلف على إثباتها في مصاحفهم مع مبالغتهم في تجريدها عن كتابة غير القرآن فيها حتى إنهم لم يكتبوا آمين فيها، و استدل أيضا لعدم قرآنيتها في أوائل السور بعدم تواترها في محلها.
ورد بأن عدم تواترها في محلها لا يقتضي سلب القرآنية عنها. و ردّ هذا الردّ بأن الإمام الكافيجي قال: المختار عند المحققين من علماء السنة وجوب التواتر: أي في القرآن في محله و وضعه و ترتيبه أيضا كما يجب تواتره في أصله: أي و في الفتوحات: البسملة من القرآن بلا شك عند العلماء باللّه، و تكرارها في السورة كتكرار ما تكرر في القرآن من سائر الكلمات، و هو بظاهره يؤيد ما ذهب إليه إمامنا من أنها آية من أول كل سورة، و محتمل لما قاله السهيلي حيث قال: نقول إنها آية من كتاب اللّه مقترنة مع السورة.
و في كلام أبي بكر بن العربي: و زعم الشافعي أنها آية من كل سورة و ما سبقه إلى هذا القول أحد، فإنه لم يعدّها أحد آية من سائر السور.
و نقل عن إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أنها آية من أول الفاتحة دون بقية السور. فعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: أول الحمد بسم اللّه الرحمن الرحيم، و أول البقرة الم قال بعضهم: و هو يدل على أن البسملة آية من أول الفاتحة دون بقية السور، فإنها ليست آية من أولها، بل هي آية في أولها إعادة لها و تكريرا لها، و ربما يوافق ذلك قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: و خص (صلى اللّه عليه و سلم) بالبسملة و الفاتحة هذا كلامه و كونه خص بالبسملة يخالف قوله في الإتقان عن الدارقطني «إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبعض أصحابه لأعلمنك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري: بسم اللّه الرحمن الرحيم» كما سيأتي، و سيأتي ما فيه.
قيل و إنما تركت البسملة أول براءة لعدم المناسبة بين الرحمة التي تدل عليها البسملة، و التبري الذي يدل عليه أول براءة. و رده في الفتوحات، بأنها جاءت في أوائل السور المبدوءة بويل قال: و أين الرحمة من الويل.