السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦١ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
الأختين، و كانوا يعيبون المتزوج بامرأة الأب و يسمونه الضيزن. و الضيزن: الذي يزاحم أباه في امرأته. و يقال له نكاح المقت: و هو العقد على الرابة، و هي امرأة الأب، و الراب: زوج الأم.
و ما قيل إن هذا أي نكاح امرأة الأب وقع في نسبه (صلى اللّه عليه و سلم) لأن خزيمة أحد آبائه (صلى اللّه عليه و سلم) لما مات خلف على زوجته أكبر أولاده و هو كنانة فجاء منها بالنضر فهو قول ساقط غلط، لأن الذي خلف عليها كنانة بعد موت أبيه ماتت و لم تلد منه، و منشأ الغلط أنه تزوج بعدها بنت أخيها، و كان اسمها موافقا لاسمها فجاء منها بالنضر.
و بهذا يعلم أن قول الإمام السهيلي نكاح زوجة الأب كان مباحا في الجاهلية بشرع متقدم و لم يكن من المحرمات التي انتهكوها و لا من العظائم التي ابتدعوها، لأنه أمر كان في عمود نسبه (صلى اللّه عليه و سلم)، فكنانة تزوج امرأة أبيه خزيمة، و هي برة بنت مرة فولدت له النضر بن كنانة.
و هاشم أيضا قد تزوج امرأة أبيه واقدة فولدت له ضغيفة، و لكن هذا خارج من عمود نسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنها أي واقدة لم تلد جدا له (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) «أنا من نكاح لا من سفاح» و لذلك قال اللّه تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النّساء: الآية ٢٢] أي إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام.
و فائدة هذا الاستثناء أن لا يعاب نسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ليعلم أنه لم يكن في أجداده (صلى اللّه عليه و سلم) من كان من بغية و لا من سفاح. أ لا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن: أي مما لم يبح لهم إلا ما قد سلف نحو قوله تعالى وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء: الآية ٣٢] و لم يقل إلا ما قد سلف وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [الأنعام: الآية ١٥١] و لم يقل إلا ما قد سلف، و لا في شيء من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه. و في الجمع بين الأختين، لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحا أيضا في شرع من كان قبلنا.
و قد جمع يعقوب (عليه السلام) بين راحيل و أختها ليا، فقوله إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: الآية ٢٢] التفات هذا المعنى، هذا كلامه، فلا التفات إليه و لا معول عليه. على أن قوله إن يعقوب جمع بين الأختين ينازعه قول القاضي البيضاوي: إن يعقوب (عليه السلام) إنما تزوج ليا بعد موت أختها راحيل.
و في أسباب النزول للواحدي أن في البخاري عن أسباط. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية و في أول الإسلام إذا مات الرجل و له امرأة جاء ابنه من غيرها فألقى ثوبه على تلك المرأة و صار أحق بها من نفسها و من غيرها، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها من غير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، و إن شاء زوّجها غيره و أخذ صداقها و لم يعطها شيئا، و إن شاء عضلها و ضارّها لتفتدي منه، فمات