السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٢ - باب استخفائه
و ممن فتن عن دينه و ثبت عليه و لم يرجع للكفر بلال رضي اللّه تعالى عنه و كان مملوكا لأمية بن خلف، فعن بعضهم أن بلالا كان يجعل في عنقه حبل يدفع إلى الصبيان يلعبون به و يطوفون به في شعاب مكة و هو يقول «أحد، أحد» بالرفع و التنوين أو بغير تنوين: أي اللّه أحد أو يا أحد، فهو إشارة لعدم الإشراك، و قد أثر الحبل في عنقه.
و عن ابن إسحاق أن أمية بن خلف كان يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة بعد أن يجيعه و يعطشه يوما و ليلة فيطرحه على ظهره في الرمضاء أي الرمل إذا اشتدت حرارته لو وضعت عليه قطعة لحم لنضجت، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا، حتى تموت أو تكفر بمحمد و تعبد اللات و العزى، فيقول أحد أحد: أي أنا لا أشرك باللّه شيئا، أنا كافر باللات و العزى.
أي و قيل كان بلال مولدا من مولدي مكة، و كان لعبد اللّه بن جدعان التيمي و كان من جملة مائة مملوك مولدة له، فلما بعث اللّه تعالى نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بهم فأخرجوا من مكة: أي خوف إسلامهم، فأخرجوا إلا بلالا فإنه كان يرعى غنمه، فأسلم بلال و كتم إسلامه فسلح بلال يوما على الأصنام التي حول الكعبة.
و يقال إنه صار يبصق عليها و يقول خاب و خسر من عبدكنّ، فشعرت به قريش فشكوه إلى عبد اللّه و قالوا له أ صبوت؟ قال و مثلي يقال له هذا، فقالوا له إن أسودك صنع كذا و كذا فأعطاهم مائة من الإبل ينحرونها للأصنام و مكنهم من تعذيب بلال، فكانوا يعذبونه بما تقدم، أي و يجوز أن يكون ابن جدعان بعد ذلك ملكه لأمية بن خلف.
فلا يخالفه ما تقدم من أن أمية بن خلف كان يتولى تعذيبه، و ما يأتي من أنا أبا بكر رضي اللّه عنه اشتراه منه. و يقال إنه (صلى اللّه عليه و سلم) مر عليه و هو يعذب فقال سينجيك أحد أحد.
أي و قيل مر عليه ورقة بن نوفل، و هو يقول أحد أحد فقال نعم أحد أحد و اللّه يا بلال، ثم أتى إلى أمية، و قال له: و اللّه لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا أي لأتخذن قبره منسكا و مسترحما، لأنه من أهل الجنة، و تقدم أن هذا يدل على أن ورقة أدرك البعثة التي هي الرسالة، و تقدم ما فيه، فكان بلال بقوله أحد أحد يمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان.
و قد وقع له رضي اللّه تعالى عنه أنه لما احتضر و سمع امرأته تقول وا حزناه صار يقول: وا طرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا و حزبه، فكان بلال يمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء.
و قد ذكر بعضهم أن هذا قاله أبو موسى الأشعري، و من معه لما وفدوا عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو في خيبر: أي صاروا يقولون: غدا نلقى الأحبة، محمدا و حزبه.