السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٣ - باب ذكر مولده
ذاك بناء على ما هو الأصح عندهم. و الردم: هو المحل الذي كانت ترى منه الكعبة قبل الآن، و يقال له الآن المدعي، لأنه يؤتى فيه بالدعاء الذي يقال عند رؤية الكعبة، و لم أقف على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) وقف به، و لعله لم يكن مرتفعا في زمنه (صلى اللّه عليه و سلم) (عليه السلام)، لأنه إنما رفعه و بناه سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه في خلافته، لما جاء السيل العظيم الذي يقال له سيل أم نهشل، و هي بنت عبيدة بن سعيد بن العاص، فإنه أخذها و ألقاها أسفل مكة فوجدت هناك ميتة، و نقل المقام إلى أن ألقاه بأسفل مكة أيضا فجيء به و جعل عند الكعبة، و كوتب عمر رضي اللّه عنه بذلك فحضر و هو فزع مرعوب، و دخل مكة معتمرا فوجد محل المقام دثر، و صار لا يعرف، فهاله ذلك ثم قال: أنشد اللّه عبدا عنده علم من محل هذا المقام، فقال المطلب بن رفاعة رضي اللّه تعالى عنه: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك، فقد كنت أخشى عليه مثل ذلك، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر، و من موضعه إلى زمزم بحفاظ، فقال له اجلس عندي و أرسل، فأرسل فجيء بذلك الحفاظ فقيس به و وضع المقام بمحله الآن، و أحكم ذلك و استمر إلى الآن. فعند ذلك بني هذا المحل الذي يقال له الردم بالصخرات العظيمة و رفعه فصار لا يعلوه السيل، و صارت الكعبة تشاهد منه، و الآن قد حالت الأبنية فصارت لا ترى، و مع ذلك لا بأس بالوقوف عنده و الدعاء فيه تبركا بمن سلف، و لعل هذا محمل قول من قال: أول من نقل المقام إلى محله.
و كان ملصقا بالكعبة- عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فلا ينافي أن الناقل له هو (صلى اللّه عليه و سلم) كما سيأتي، لكن رأيت ابن كثير قال: و قد كان هذا الحجر أي الذي هو المقام ملصقا بباب الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه فأخره عنه لئلا يشغل المصلين عنده الطائفون بالبيت هذا كلامه.
و قوله من قديم الزمان ظاهره من عهد إبراهيم على نبينا و عليه أفضل الصلاة و السلام فليتأمل.
و عن كعب الأحبار: إني أجد في التوراة: عبدي أحمد المختار، مولده بمكة:
أي و هو ظاهر في أن كعب الأحبار كان قبل الإسلام على دين اليهودية.
قال و عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه عن أمه الشفاء: أي بكسر الشين المعجمة و تخفيف الفاء، و قيل بفتحها و تشديد الفاء مقصورا قالت: لما ولدت آمنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وقع على يدي: أي فهي دايته (صلى اللّه عليه و سلم). و وقع في كلام ابن دحية أن أم أيمن دايته (صلى اللّه عليه و سلم).
و قد يقال إطلاق الداية على أم أيمن، لأنها قامت بخدمته (صلى اللّه عليه و سلم)، و من ثم قيل لها حاضنته، و للشفاء قابلته.