السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٣ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
له الخراب و إلقاء الجيف فيه: أبشر يأتيك راكب الحمار، يعني عيسى، و بعده راكب الجمل يعني محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و تقدم في وصفه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه يركب الحمار و البعير.
و قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون عيسى اختص بركوب الحمار، بخلاف محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فإنه كان يركبهما، هذا تارة و هذا أخرى، فليتأمل:
و من جملتهم أرمياء، قيل و هو الخضر، و اللّه أعلم.
و اسمه (صلى اللّه عليه و سلم) في الزبور حاط حاط، و الفلاح الذي يمحق اللّه به الباطل و فارق و فاروق. أي يفرق بين الحق و الباطل، و هو كما تقدم معنى فارقليط أو بارقليط، بالفاء في الأول و الموحدة في الثاني.
و قيل معناه الذي يعلم الأشياء الخفية، و في «الينبوع» و من الألفاظ التي رضوها لأنفسهم، يعني النصارى و ترجموها على اختيارهم أن المسيح عليه الصلاة و السلام قال: إني أسأل اللّه أن يبعث إليك بارقليط آخر يكون معكم إلى الأبد، و هو يعلمكم كل شيء، و يفسر لكم الأسرار، و هو يشهد لي كما شهدت له، و يكون خاتم النبيين، و لم يشهد له بالبراءة و الصدق في النبوة بعده إلا محمد (صلى اللّه عليه و سلم).
و قد ذكر صاحب الدرّ المنظم بإسناده أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لعمر رضي اللّه تعالى عنه: «يا عمر أ تدري من أنا؟ أنا الذي بعثني اللّه في التوراة لموسى، و في الإنجيل لعيسى، و في الزبور لداود و لا فخر» أي لا أقول ذلك على سبيل الافتخار، بل على سبيل التحدث بالنعمة «يا عمر أ تدري من أنا؟ أنا اسمي في التوراة أحيد، و في الإنجيل البارقليط، و في الزبور حمياطا، و في صحف إبراهيم طاب طاب و لا فخر».
و ذكر صاحب كتاب «شفاء الصدور» في مختصره أن من فضائله (صلى اللّه عليه و سلم) ما رواه مقاتل بن سليمان قال: وجدت مكتوبا في زبور داود. إني أنا اللّه لا إله إلا أنا و محمد رسولي، و وصف في مزامير داود بأنه يقوي الضعيف الذي لا ناصر له، و يرحم المساكين و يبارك عليه في كل وقت، و يدوم ذكره إلى الأبد. و بالجبار، ففيها تقلد أيها الجبار سيفك.
فإن قيل: قال اللّه تعالى: وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: الآية ٤٥]. أجيب بأن الأول هو الذي يجبر الخلق إلى الحق. و الثاني هو المتكبر. و فيها: يا داود سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد و محمد صادقا لا أغضب عليه أبدا، و لا يعصيني أبدا، و قد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه و ما تأخر: أي على فرض وقوع ذلك الذنب، و المراد به خلاف الأولى من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين: أي ما يعد حسنة بالنسبة لمقام الأبرار قد يعدّ سيئة بالنسبة لمقام المقربين، لعلوّ مقامهم و ارتفاع شأنهم و أمته مرحومة، يأتون يوم القيامة و نورهم مثل نور الأنبياء.