السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١١ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
و كلاهما أي الاتزار و إرخاء العذبة من خصائص هذه الأمة.
و قد جاء «إن العمائم تيجان المسلمين» و في رواية «من سيما المسلمين» أي علاماتهم المميزة لهم عن غيرهم.
و يؤخذ من وصفهم بأنهم يوضئون أطرافهم أن الأمم السابقة كانوا لا يتوضئون، و يوافقه قول الحافظ ابن حجر: إن الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة، و يوافقه ما رواه ابن مسعود مرفوعا «يقول اللّه تبارك و تعالى:
افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة كما افترضت على الأنبياء» أي أن يكونوا طاهرين، أو أن هذا أي وجوب الطهر لكل صلاة كان في صدر الإسلام و لم ينسخ إلا في فتح مكة كما سيأتي.
و يخالف كون الوضوء من خصائص هذه الأمة ما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه ابن لهيعة عن بريدة قال: «دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بوضوء فتوضأ واحدة واحدة فقال: هذا الوضوء الذي لا يقبل اللّه الصلاة إلا به، ثم توضأ ثنتين ثنتين فقال: هذا وضوء الأمم قبلكم، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي» فإن هذا يفيد أن الوضوء كان للأمم السابقة، لكن مرتين و لأنبيائهم كان ثلاثا، و عليه فالخاص بهذه الأمة التثليث كوضوء الأنبياء: أي كما اختصت هذه الأمة عمن عداها بالغرة و التحجيل.
و على هذا يحمل قول ابن حجر الهيتمي إن الوضوء من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم.
و في كلام ابن عبد البر قيل إن سائر الأمم كانوا يتوضئون، و لا أعرفه من وجه صحيح. و في كلام ابن حجر: و الذي من خصائصنا إما الكيفية المخصوصة أو الغرة و التحجيل، هذا كلامه، و هو يفيد أن كون الكيفية المخصوصة و منها الترتيب من خصائصنا غير مقطوع به، بل الأمر فيه على الاحتمال.
و لا يخفى أن الإشارة في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «هذا وضوء الأمم» يدل على الترتيب، فقد استدل أئمتنا على وجوب الترتيب بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يتوضأ إلا مرتبا باتفاق أصحابه، و لو كان جائزا لتركه في بعض الأحايين. و ما اعترض به على دعوى الاتفاق بأنه جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه وصف وضوءه (صلى اللّه عليه و سلم) «فتوضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم رجليه ثم مسح رأسه» أجيب عنه بضعف هذه الرواية.
و على تقدير صحتها يجوز أن يكون ابن عباس نسي مسح الرأس فذكره بعد غسل رجليه فمسحه ثم أعاد غسل رجليه. و الراوي عن ابن عباس لم يقف على إعادة ابن عباس غسل رجليه.