السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٨٢ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
بعد فرض رمضان «و صلى به الظهر حين كان ظل الشيء مثله. و صلى به العصر حين كان ظلّ الشيء مثليه. و صلى به المغرب حين أفطر الصائم. و صلى به العشاء ثلث الليل الأول. و صلى به الفجر، أي في اليوم الثالث فأسفر، ثم التفت و قال: يا محمد هذا وقتك و وقت الأنبياء من قبلك و الوقت ما بين هذين الوقتين» ا ه.
و أما رواية صلى بي الظهر إلى أن قال و صلى بي الفجر، فلما كان الغد صلى بي الظهر المقتضي ذلك، لأن يكون الفجر ليس من اليوم الثاني بل من تتمة ما قبله.
ففيه دليل على أن اليوم من طلوع الشمس كما يقول الفلكيون، أي و لا يخفى أن قوله «و الوقت ما بين هذين الوقتين» محمول عند إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه على الوقت الاختياري بالنسبة للعصر و العشاء و الفجر، و إلا فوقت العصر لا يخرج إلا بغروب الشمس، و وقت العشاء لا يخرج إلا بطلوع الفجر، و وقت الصبح لا يخرج إلا بطلوع الشمس خلافا للإصطخري حيث ذهب إلى خروج وقت العصر بمصير ظل الشيء مثليه، و العشاء بثلث الليل، و الصبح بالإسفار متمسكا بظاهر الحديث. و البداءة بالظهر هو ما عليه أكثر الروايات. و روي «أن البداءة كانت بالصبح عند طلوع الفجر» و على الأول إنما لم تقع البداءة بالصبح مع أنها أول صلاة تحضر بعد ليلة الإسراء لأن الإتيان بها يتوقف على بيان علم كيفيتها المعلق عليه الوجوب كأنه قيل أوجبت عليه حيثما تبين كيفيته في وقته و الصبح لم تتبين كيفيتها في وقتها فلم تجب. فلا يقال: هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة.
و أجاب الإمام النووي بأنه حصل التصريح بأن أول وجوب الخمس من الظهر، كأنه قيل أوجبت ما عدا صلاة الصبح يوم هذه الليلة، فعدم وجوبها ليس لعدم علم كيفيتها فهي غير واجبة و إن فرض علم كيفيتها.
و فيه أنه يلزم حينئذ أن الخمس صلوات في اليوم و الليلة لم توجد إلا فيما عدا ذلك اليوم و ليلته. قال أبو بكر بن العربي: ظاهر قوله «هذا وقتك و وقت الأنبياء من قبلك» أن هذه الصلوات في هذه الأوقات كانت مشروعة لكل واحد من الأنبياء قبله و ليس كذلك، و إنما معناه أن وقتك هذا المحدود الطرفين مثل وقت الأنبياء قبلك فإنه كان محدود الطرفين، و إلا فلم تكن هذه الصلوات الخمس على هذه المواقيت إلا لهذه الأمة خاصة و إن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها أي فقد جاء عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «أن آدم لما تيب عليه كان ذلك عند الفجر، فصلى ركعتين فصارت الصبح. و فدي إسحاق عند الظهر» أي على القول بأنه الذبيح، فصلى أربع ركعات فصارت الظهر، و بعث عزير فقيل له كم لبثت؟ قال لبثت يوما فلما رأى الشمس قريبة من الغروب، قال أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر.
و غفر لداود عند المغرب أي الغروب فقام يصلي أربع ركعات فجهد أي تعب فجلس