السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٣ - باب ذكر رضاعه
منازل بني سعد و لا أعلم أرضا من أراضي اللّه أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا: أي غزيرات اللبن، فنحلب و نشرب. و لفظ: فنحلب، ما شئنا و اللّه ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر: أي المقيم في المنازل من قومنا يقول لرعاتهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب يعنونني، فتروح أغنامهم جياعا تبض بقطرة لبن، و تروح غنمي شباعا لبنا، فلم نزل نعرف من اللّه تعالى الزيادة و الخير حتى مضت سنتاه و فصلته، و كان يشب شبا لا يشبه الغلمان، فلم يقطع سنتيه حتى كان غلاما جفرا: أي غليظا شديدا.
و عن حليمة رضي اللّه تعالى عنها أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما بلغ شهرين كان يجيء إلى كل جانب: أي و هذا يضعف ما تقدم عن الامتناع من أن أمه (صلى اللّه عليه و سلم) أرضعته سبعة أشهر.
قالت حليمة: فلما بلغ (صلى اللّه عليه و سلم) ثمانية أشهر كان يتكلم بحيث يسمع كلامه، و لما بلغ تسعة أشهر كان يتكلم الكلام الفصيح، و لما بلغ عشرة أشهر كان يرمي السهام مع الصبيان.
و عنها رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: إنه لفي حجري ذات يوم إذ مرت به غنيماتي، فأقبلت واحدة منهن حتى سجدت له و قبلت رأسه ثم ذهبت إلى صواحبها.
أقول: و قد سجدت له (صلى اللّه عليه و سلم) الغنم، و كذا الجمل بعد بعثته و الهجرة، فعن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دخل حائطا: أي بستانا للأنصار و معه أبو بكر و عمر و رجال من الأنصار و في الحائط غنم، فسجدت له، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: يا رسول اللّه كنا أحق بالسجود لك من هذه الغنم؟ فقال:
إنه لا ينبغي في أمتي أن يسجد أحد لأحد، و لو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» زاد في رواية «و لو أن رجلا أمر زوجته أن تنقل من جبل إلى جبل لكان نولها: أي حقها أن تفعل» «و حرب جمل بكسر الراء: أي اشتد غضبه، فصار لا يقدر أحد يدخل عليه، فذكر ذلك لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال لأصحابه:
افتحوا عنه، فقالوا: إنا نخشى عليك يا رسول اللّه، فقالوا: افتحوا عنه ففتحوا عنه فلما رآه الجمل خرّ ساجدا: أي فأخذ بناصيته ثم دفعه لصاحبه و قال استعمله و أحسن علفه، فقال القوم: يا رسول اللّه كنا أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال كلا» الحديث. و في هذا دلالة على عظيم حق الزوج على زوجته.
و جاء مما يدل على ذلك أيضا ما روي «أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أتت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللّه إن اللّه بعثك إلى الرجال و النساء فآمنا بك و اتبعناك، و نحن معاشر النساء، مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، و مواضع شهوات الرجال، و حاملات أولادهم، و إن الرجال فضلوا بالجماعات، و شهود الجنائز و الجهاد، و إذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، و ربينا لهم أولادهم،