السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٦ - باب بدء الوحي له
و قد اشتملت هذه الآيات على براعة الاستهلال: و هو أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه، و يشير إلى ما سبق الكلام لأجله فإنها اشتملت على الأمر بالقراءة و البداءة فيها ببسم اللّه، إلى غير ذلك مما ذكره في الإتقان. قال فيه: من ثم قيل إنها جديرة أن تسمى عنوان القرآن، لأن عنوان الكتاب ما يجمع مقاصده بعبارة موجزة في أوله، و كرر جبريل الغط ثلاثا للمبالغة. و أخذ منه بعض التابعين و هو القاضي شريح أن المعلم لا يضرب الصبي على تعليم القرآن أكثر من ثلاث ضربات.
و أورد الحافظ السيوطي عن الكامل لابن عدي بسند ضعيف عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نهى أن يضرب المؤدب الصبي فوق ثلاث ضربات».
و ذكر السهيلي أن في ذلك: أي الغط ثلاثا إشارة إلى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يحصل له شدائد ثلاث ثم يحصل له الفرج بعد ذلك فكانت الأولى إدخال قريش له (صلى اللّه عليه و سلم) الشعب و التضييق عليه. و الثانية اتفاقهم على الاجتماع على قتله (صلى اللّه عليه و سلم). و الثالثة خروجه من أحب البلاد إليه، و جاءه (صلى اللّه عليه و سلم) جبريل و ميكائيل: أي قبل قول جبريل له اقرأ فشق جبريل بطنه و قلبه، إلى آخر ما تقدم في الكلام على أمر الرضاع ثم قال له جبريل:
اقرأ الحديث، فعلم أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ نزلت من غير بسملة، و قد صرح بذلك الإمام البخاري، و ما ورد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «بأن أول ما نزل جبريل على محمد (صلى اللّه عليه و سلم) قال: يا محمد استعذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم اللّه الرحمن الرحيم، ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ قال الحافظ ابن كثير. هذا الأثر غريب، في إسناده ضعف و انقطاع، أي فلا يدل للقول بأن أول ما نزل بسم اللّه الرحمن الرحيم، حكاه ابن النقيب في مقدمة تفسيره، و به يرد على الجلال السيوطي حيث قال: و عندي فيه أن هذا لا يعد قولا برأسه، فإن من ضرورة نزول السورة أي سورة اقرأ نزول البسملة معها، فهي أول آية نزلت على الإطلاق، هذا كلامه و اللّه أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: هذا الذي وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) في ابتداء الوحي من خصائصه، إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء عليه الصلاة و السلام أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك. «و لما قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تلك الآية رجع بها ترجف بوادره» و البادرة اللحمة التي بين المنكب و العنق، تتحرك عند الفزع و يقال لها الفريصة و الفرائص: أي و في رواية «فؤاده» أي قلبه، و لا مانع من اجتماع الأمرين، لأن تحرك البادرة ينشأ عن فزع القلب «حتى دخل (صلى اللّه عليه و سلم) على خديجة فقال: زملوني زملوني» أي غطوني بالثياب «فزملوه حتى ذهب عنه الروع» بفتح الراء: أي الفزع «ثم أخبرها الخبر و قال:
لقد خشيت على نفسي» و في رواية «على عقلي» كما في «الأمتاع» «قالت له خديجة:
كلا أبشر، فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا» أي لا يفضحك «إنك لتصل الرحم، و تصدق