السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٥ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
رأيت ذلك قلت لها: تعلمين و اللّه يا أمه لو كان لك مائة نفس تخرج نفسا نفسا ما تركت دين هذا النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت.
و في الأنساب للبلاذري عن سعد قال: أخبرت أمي أني كنت أصلي العصر:
أي الركعتين اللتين كانوا يصلونهما بالعشي فجئت فوجدتها على بابها تصيح: أ لا أعوان يعينوني عليه من عشيرتي أو عشيرته فأحبسه في بيت و أطبق عليه بابه حتى يموت أو يدع هذا الدين المحدث؟ فرجعت من حيث جئت، و قلت: لا أعود إليك و لا أقرب منزلك فهجرتها حينا، ثم أرسلت إليّ أن عد إلى منزلك و لا تتضيفن فيلزمنا عار فرجعت إلى منزلي، فمرة تلقاني بالبشر و مرة تلقاني بالشر و تعيرني بأخي عامر و تقول: هو البر لا يفارق دينه، و لا يكون تابعا، فلما أسلم عامر لقي منها ما لم يلق أحد من الصياح و الأذى حتى هاجر إلى الحبشة، و لقد جئت و الناس مجتمعون على أمي و على أخي عامر فقلت: ما شأن الناس؟ فقالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامرا، و هي تعطي اللّه عهدا لا يظلها نخل و لا تأكل طعاما و لا تشرب شرابا حتى يدع صبأته، فقلت لها: و اللّه يا أمه لا تستظلين و لا تأكلين و لا تشربين حتى تتبوئي مقعدك من النار.
و جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتي الحارث بن كلدة طبيب العرب ليستوصفه في مرض نزل بسعد و كان ذلك في حجة الوداع، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعود عبد الرحمن بن عوف لمرض نزل به فوجد عنده الحارث، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لعبد الرحمن: إني لأرجو أن يشفيك اللّه حتى يضرّ بك قوم و ينتفع بك آخرون، ثم قال للحارث بن كلدة عالج سعدا مما به و كان سعد بالمجلس، فقال: و اللّه إني لأرجو شفاءه فيما ينفعه من رجله، هل معك من هذه الثمرة العجوة شيء؟ قال نعم، فخلط ذلك الثمر بحلبة ثم أوسعها سمنا ثم أحساه إياها فكأنما نشط من عقال» و هذا استدل به على إسلام الحارث بن كلدة، لأن حجة الوداع لم يحج فيها مشرك، فهو معدود من الصحابة. و أنكر بعضهم إسلامه و جعله دليلا على جواز استشارة أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله.
و ممن أسلم بدعاية أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه أيضا طلحة بن عبد اللّه التيمي فجاء به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين استجاب له فأسلم.
أي و لما تظاهر أبو بكر و طلحة بالإسلام أخذهما نوفل بن العدوية، و كان يدعى أسد قريش فشدهما في حبل واحد و لم يمنعهما بنو تيم، و لذلك سمي أبو بكر و طلحة القرينين و لشدة ابن العدوية و قوة شكيمته كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «اللهم اكفنا شر ابن العدوية».
أقول: سبب إسلام طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ما تقدم أنه قال:
حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم هل ثم