السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٠١ - باب ذكر خروج النبي
أسود يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم، فعند ذلك لبسوا المسوح، و أخرجوا المواشي، و فرقوا بين النساء و أولادها، و بين كل بهيمة و ولدها، فلما أقبل عليهم العذاب جأروا إلى اللّه تعالى، و بكى الناس و الولدان، و رغت الإبل و فصلانها، و خارت البقر و عجاجيلها، و ثغت الغنم و سخالها، و قالوا: يا حيّ حيث لا حي، و يا حي يحيي الموتى، و يا حي لا إله إلا أنت.
و عن الفضيل أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت و جلت، و أنت أعظم منها و أجلّ، فافعل بنا ما أنت أهله و لا تفعل بنا ما نحن أهله.
و في الكشاف أنهم عجوا أربعين ليلة، و علم اللّه تعالى منهم الصدق فتاب عليهم، و صرف عنهم العذاب بعد أن صار بينه و بينهم قدر ميل، فمر رجل على يونس فقال له: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا، فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم. قيل و كان في شرعهم أن من كذب قتل، فانطلق مغاضبا لقومه، و ظن أن لن نقضي عليه بما قضى به عليه أي من الغم و ضيق الصدر، قال تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: الآية ٨٧] أي لن نضيق عليه، و كانت التوبة عليهم يوم عاشوراء و كان يوم الجمعة.
أي و في كلام بعضهم كشف العذاب عن قوم يونس يوم عاشوراء، و أخرج فيه يونس من بطن الحوت، و هو يؤيد القول بأنه نبذ من يومه و هو قول الشعبي، التقمه ضحوة و نبذه عشية أي بعد العصر؛ و قاربت الشمس الغروب. و ذكر أن الحوت لم يأكل و لم يشرب مدة بقاء يونس في بطنه لئلا يضيق عليه.
و قال السدي: مكث أربعين يوما. و قال جعفر الصادق: سبعة أيام. و قال قتادة: ثلاثة أيام؛ و ذلك بعد أن نزل السفينة فلم تسر؛ فقال لهم: إن معكم عبدا آبقا من ربه و إنها لا تسير حتى تلقوه في البحر و أشار إلى نفسه؛ فقالوا: لا نلقيك يا نبيّ اللّه أبدا؛ قال: فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات؛ فألقوه فالتقمه الحوت.
و قيل قائل ذلك بعض الملاحين؛ و حين خرجت القرعة عليه ثلاثا ألقى نفسه في البحر؛ و هذا السياق يدل على أن رسالته كانت قبل أن يلتقمه الحوت: و قيل إنما أرسل بعد نبذ الحوت له؛ و فيه كيف يدعوهم و يعدهم العذاب و هو غير مرسل لهم.
و عن وهب بن منبه، و قد سئل عن يونس فقال: كان عبدا صالحا، و كان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها فألقاها عنه و خرج هاربا، أي فقد تقدم أن للنبوة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل، و هم نوح، و هود، و إبراهيم و محمد (صلوات اللّه و سلامه عليهم).
أما نوح فلقوله يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ [يونس: ٧١] الآية. و أما هود فلقوله إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ