السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢٨ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
بمكة، و عليه تكون معاد بمكة.
قال: و الذي يظهر- و اللّه أعلم- أنها كانت من النفل المطلق انتهى. أي و لا يضر وقوع الجماعة فيها. و بقولنا أي الركعتان إلى آخره يسقط ما قيل: القول بأنها العشاء أو الصبح ليس بشيء، لأن أول صلاة صلاها من الخمس مطلقا الظهر، و من حمل الأولية على مكة أي و يكون صلى الصبح ببيت المقدس فعليه الدليل أي دليل يدل على أن تلك الصلاة إحدى الصلوات الخمس.
و في زين القصص: كان زمن ذهابه (صلى اللّه عليه و سلم) و مجيئه ثلاث ساعات، و قيل أربع ساعات: أي بقيت من تلك الليلة. لكن في كلام السبكي أن ذلك كان في قدر لحظة حيث قال في تائيته
وعدت و كل الأمر في قدر لحظة
أي و لا يدع لأن اللّه تعالى قد يطيل الزمن القصير كما يطوي الطويل لمن يشاء، و قد فسح اللّه في الزمن القصير لبعض أولياء أمته ما يستغرق الأزمنة الكثيرة، و في ذلك حكايات شهيرة.
قال (صلى اللّه عليه و سلم) «و أتيت بإناءين أحمر و أبيض فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شربت اللبن و تركت الخمر، لو شربت الخمر لارتدّت أمتك» أي غوت و انهمكت في الشرب، بدليل الرواية الأخرى، و هي رواية البخاري «أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة أسري به بإيليا بقدحين من خمر و لبن فنظر إليهما فأخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد للّه الذي هداك للفطرة» أي الاستقامة «لو أخذت الخمرة غوت أمتك و لم يتبعك منهم إلا القليل» أي يكونوا على ما أنت عليه من ترك ذلك؟ فالمراد بالارتداد الرجوع عما هو الصواب، و إتيانه بذلك و هو في المسجد ببيت المقدس، و سيأتي ما يدل على أنه أتي له (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك أيضا بعد خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) منه قبل العروج.
قال (صلى اللّه عليه و سلم) «و استويت على ظهر البراق، فما كان بأسرع من أن أشرفت على مكة و معي جبريل فصليت به الغداة، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) لأمّ هانئ بعد أن أخبرها بذلك: أنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت، قالت أمّ هانئ: فعلقت بردائه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قلت: أنشدك اللّه» أي بفتح الهمزة أسألك باللّه «ابن عم» أي يا بن عم، أن تحدث أي لا تحدث بهذا قريشا فيكذبك من صدقك» و في رواية «إني أذكرك اللّه عز و جل أنك تأتي قوما يكذبونك و ينكرون مقالتك فأخاف أن يسطوا بك فضرب بيده الشريفة على ردائه، فانتزعه من يديّ فارتفع على بطنه (صلى اللّه عليه و سلم) فنظرت إلى عكنه: أي طبقات بطنه من السمن فوق ردائه (صلى اللّه عليه و سلم) و كأنه طي القراطيس» أي الورق «و إذا نور ساطع عند فؤاده كاد يخطف» بفتح الطاء و ربما كسرت «بصري، فخررت ساجدة، فلما رفعت رأسي إذ هو قد خرج، فقلت لجاريتي نبعة» أي و كانت حبشية معدودة في الصحابة