السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٥٠ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
و نفس طيبة، خرجت من جسد طيب، اجعلوها في عليين. و تعرض عليه أرواح ذريته الكفار فيقول: روح خبيثة و نفس خبيثة خرجت من جسد خبيث، اجعلوها في سجين».
أقول: و هذا و إن اقتضى كون أرواح العصاة من المؤمنين في عليين كأرواح الطائعين منهم، لكن لا يقتضي تساويهما في الدرجة كما لا يخفى.
و في رواية «تعرض عليه أعمال ذريته» و هو إما على حذف المضاف: أي صحف أعمالهم التي وقعت منهم، و هي التي في صحف الحفظة، أو التي ستقع منهم و هي ما في صحف الملائكة غير الحفظة. أو تعرض عليه نفس أعمال تجسمت لما سيأتي أن المعاني تجسم، ففي كل من الروايتين اقتصار، و اللّه أعلم.
و في رواية سندها ضعيف، كما قاله الحافظ ابن حجر «و عن يمينه أسودة، و باب يخرج منه ريح طيبة، و عن شماله أسودة، و باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر عن يمينه أي إلى تلك الأسودة ضحك و استبشر، و إذا نظر عن شماله أي إلى تلك الأسودة حزن و بكى فسلم عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): من هذا؟ فقال: هذا أبوك آدم» أي و زاد في الجواب قوله «و هذه الأسودة نسيم» أي أرواح «بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، و أهل الشمال أهل النار؛ فإذا نظر عن يمينه ضحك و استبشر، و إذا نظر عن شماله حزن و بكى» و زاد في الجواب أيضا قوله «و هذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر من سيدخله من ذريته حزن و بكى» ا ه أي إذا نظر إلى أرواح من سيدخلهما، و فيه أن الجنة فوق السماء السابعة و النار في الأرض السابعة، و هي محيطة بالدنيا فكيف يكون بابهما في السماء الدنيا، و أن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء كما تقدم.
و أجيب عن الثاني بأن عرضها: أي أرواح ذريته الكفار عليه نظرة إليها و هي دون السماء لأنها شفاقة أو من ذلك الباب، أي و كونها عن يساره الذي أخبر به (صلى اللّه عليه و سلم):
أي في جهة يساره.
و يجاب عن الأول بأن الباب الذي على يمينه يجوز أن يكون محاذيا لموضع الجنة من السماء السابعة، و لهذا قيل له باب الجنة، و كذا يقال في باب جهنم، لأن الاضافة تأتي لأدنى ملابسة، و بما أجبنا به عن كون أرواح ذريته الكفار عن جهة يساره يعلم أنه لا حاجة في الجواب عن ذلك إلى قول الحافظ ابن حجر: و يحتمل أن يقال إن النسم المرئية هي الأرواح التي لم تدخل الأجساد بعد: أي الآن، و مستقرها عن يمين آدم و شماله. و قد أعلم بما سيصيرون إليه، بناء على أن الأرواح مخلوقة قبل أجسادها. على أنه لا يناسب قوله روح طيبة و نفس طيبة خرجت من جسد طيب إلى آخره.