السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٦١ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
و عندي فيه نظر ظاهر، و الجمع أولى من اثبات المعارضة لا سيما بين الأصح و الصحيح و إن كان الصحيح شاذا، لأنا لا نقدم الأصح أو الصحيح على غيره إلا حيث تعذر الجمع فليتأمل.
و على المشهور من الروايات الذي صدّرنا به أبدى بعضهم لاختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته (صلى اللّه عليه و سلم) و اختصاص كل واحد منهم بالسماء الذي لقيه فيها حكمة يطول ذكرها.
قال (صلى اللّه عليه و سلم) «ثم ذهب بي: أي جبريل إلى سدرة المنتهى، و إذا أوراقها كآذان الفيلة» و في رواية «مثل آذان الفيول» و في رواية «الورقة منها تظل الخلق» و في رواية «تكاد الورقة تغطي هذه الأمة» و في رواية «لو أن الورقة الواحدة ظهرت لغطت هذه الدنيا» و حينئذ يكون المراد بكونها كآذان الفيلة في الشكل، و هو الاستدارة لا في السعة «و إذا ثمرها كالقلال» و في رواية «كقلال هجر» قرية بقرب المدينة، و الواحدة من قلالها تسع قربتين و نصفا من قرب الحجاز، و القربة تسع من الماء مائة رطل بغدادي، فلما غشيها من أمر اللّه عز و جل ما غشيها تغيرت» أي صار لها حالة من الحسن غير تلك الحالة التي كانت عليها «فما أحد من خلق اللّه عز و جل يستطيع أن ينعتها من حسنها» أي لأن رؤية الحسن تدهش الرائي، و هذا السياق يدل على أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة: أي و هو قول الأكثر، و في بعض الروايات أن أغصانها تحت الكرسي، و عن وهب أن العرش و الكرسي فوق السماء السابعة. قال:
و يسأل هل ثمرة سدرة المنتهى كالثمار المأكولة في أنه يزول و يعقبه غيره هذا الزائل يؤكل أو يسقط، أي فلا يؤكل ا ه.
قال (صلى اللّه عليه و سلم) «ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ» أي بالمعجمة «قباب اللؤلؤ» و في لفظ «حبائل اللؤلؤ أي المعقود و القلائد، و إذا ترابها المسك، و رمانها كالدلاء و طيرها كالبخت» فدخوله (صلى اللّه عليه و سلم) للجنة كان قبل عروجه للسحابة.
و في الحديث «ما في الدنيا ثمرة حلوة و لا مرة إلا و هي في الجنة حتى الحنظل، و الذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل اللّه مكانها خيرا منها» و هذا القسم يرشد إلى أن ثمرة الجنة كلها حلوة تؤكل، و أنها تكون على صورة ثمرة الدنيا المرة.
و في كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: فاكهة الجنة لا مقطوعة و لا ممنوعة:
أي تؤكل من غير قطع: أي يؤكل منها، فالأكل موجود، و العين باقية في غصن الشجرة، و ليس المراد أن الفاكهة غير مقطوعة في شتاء و لا صيف، أو يخلق مكان قطعها أخرى على الفور كما فهمه بعضهم، فعين ما يأكل العبد هو عين ما يشهد، و أطال في ذلك، و كأنه لم يقف على هذا الحديث، أو لم يثبت عنده فليتأمل.