السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١١ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
و يقال إن ذلك الثوب كان للوليد بن المغيرة، فأخذ (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر الأسود فوضعه فيه بيده الشريفة، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب: أي بزاوية من زواياه ثم ارفعوه جميعا ففعلوا، فكان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، و كان في الربع الثاني زمعة، و كان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، و كان في الربع الرابع قيس بن عدي، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو (صلى اللّه عليه و سلم): أي و لما مات أبو أمية بن المغيرة رثاه أبو طالب بقصيدة طويلة، و رثاه أبو جحيفة بقوله:
ألا هلك الماجد الرافد* * * و كل قريش له حامد
و من هو عصمة أيتامنا* * * و غيث إذا فقد الراعد
قال: و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: لما وضع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الركن:
أي الحجر ذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حجرا يشد به الركن، فقال العباس لا، و ناول العباس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما شدّ به الركن، فغضب النجدي و قال:
و اعجبا لقوم أهل شرف و عقول و أموال عمدوا إلى رجل أصغرهم سنا و أقلهم مالا فرأسوه عليهم في مكرمتهم و حرزهم كأنهم خدم له، أما و اللّه ليفرقنهم شيعا، و ليقسمنّ بينهم حظوظا، فكاد يثير شرا فيما بينهم، و لعل هذا النجدي هو إبليس.
فقد ذكر السهيلي أن إبليس تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكموا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أمر الركن من يرفعه، و صاح: يا معشر قريش أرضيتهم أن يلي هذا الغلام دون أشرافكم و ذوي أنسابكم؟ انتهى.
و إنما تصوّر بصورة نجدي، لأن في الحديث، نجد طلع منها قرن الشيطان.
و لما قال (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم بارك لنا في شامنا و في يمننا، قالوا و في نجدنا، فأعاد الأول، و الثاني قال: هناك الزلازل و الفتن، و فيها يطلع قرن الشيطان».
أقول: سيأتي أنه تصور بهذه الصورة أيضا عند دخول قريش دار الندوة ليتشاوروا في كيفية قتله (صلى اللّه عليه و سلم) و دخل معهم، و سيأتي. ثم في حكمة تصوره بذلك غير ما ذكر. و لا مانع أن يكونا حكمة لما هنا و لما يأتي.
و أعادوا الصور التي كانت في حيطانها، لأنه كان في حيطانها صور الأنبياء بأنواع الأصباغ، و من جملتهم صورة إبراهيم و في يده الأزلام: أي و إسماعيل و في يده الأزلام، و صورة الملائكة و صورة مريم كما سيأتي في فتح مكة، و كساها زعماؤهم أرديتهم و كانت من الوصائل، و لم يكسها أحد بعد ذلك حتى كساها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الحبرات في حجة الوداع، و اللّه أعلم. و هذه المرة الرابعة أي من بناء الكعبة بناء على أن أول من بناها الملائكة.
ففي بعض الآثار أن اللّه سبحانه و تعالى قبل أن يخلق السموات و الأرض كان