السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٠٩ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
عمرو بن عائذ، فقال لهم: إني أرى أن تقسموا أربعة أرباع، فكان شق الباب لعبد مناف و زهرة، و كان ما بين الركنين الأسود و اليماني لبني مخزوم و قبائل من قريش انضموا إليهم و كان ظهر الكعبة لبني جمح و بني سهم ابني عمرو، و كان شق الحجر أي الجانب الذي فيه الحجر الآن لبني عبد الدار و لبني أسد و لبني عدي.
و الذي في كلام المقريزي: كان لبني عبد مناف ما بين الحجر الأسود إلى ركن الحجر أي و هو شق الباب، و صار لأسد و عبد الدار و زهرة الحجر كله: أي الجانب الذي فيه الحجر و صار لمخزوم دبر البيت، و صار لسائر قريش ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود هذا كلامه فليتأمل.
و في كلام بعضهم: و سمي الركن اليماني باليماني، لأن رجلا من اليمن بناه و كان الباني لها باقوم النجار: أي الذي هو مولى سعيد بن العاص.
أقول: و كان المناسب أن يكون الذي بناها باقوم الرومي الذي كان صحبة السفينة التي كسرت، لأنه كما تقدم كان بانيا، و سيأتي التصريح بذلك. و أما باقوم مولى سعيد بن العاص فتقدم أنه كان نجارا، إلا أن يقال باقوم مولى سعيد كان نجارا بناء، و اشتهر بالوصف الأول، فكان الباني لها. و فيه يحتمل أن يكون باقوم الرومي البناء كان نجارا، أيضا، و اشتهر بالوصف الأول.
ثم رأيت في كلام بعضهم التصريح بذلك، فقال: و كان أي باقوم الرومي نجارا بناء. فقول القائل: و كان الباني لها باقوم النجار مراده باقوم الرومي لا مولى سعيد.
ثم رأيت في بعض الروايات ما يؤيد ذلك، و هو وصف باقوم الرومي بأنه كان نجارا. و نصها: فخرجت قريش لتأخذ خشبها: أي السفينة التي كسرت، فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا، فقدموا به و بالخشب. فقد دلت الروايتان على أنه موصوف بالوصفين. و يحتمل أن يكون أحدهما بناها و الآخر عمل سقفها، أو أنهما اشتركا فيها لما علمت أن كلا منهما كان بانيا نجارا.
ثم رأيت عن ابن إسحاق: و كان بمكة قبطي يعرف نجر الخشب و تسويته، فوافقهم على أن يعمل لهم سقف الكعبة و يساعده باقوم، أي الرومي، فالقبطي هو مولى سعيد بن العاص. و حينئذ ففي هذه الرواية وصف باقوم الرومي بأنه كان نجارا كالرواية التي قبلها، و سيأتي في الرواية التي تلي هذه أنه الذي بناها. و هي في الإصابة اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم. و كان روميا، و كان في سفينة حبستها الريح فخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها و قالوا له: ابنها على بنيان الكنائس، و إن باقوم الرومي أسلم ثم مات فلم يدع وارثا فدفع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ميراثه لسهيل بن عمرو.