السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٠ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
ثم لما بنوها جعلوها مدماكا من خشب الساج، و مدماكا من الحجارة من أسفلها إلى أعلاها، و زادوا فيها تسعة أذرع، فكان ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا، و رفعوا بابها من الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج، و ضاقت بهم النفقة عن بنيانها على تلك القواعد فأخرجوا منها الحجر، و في لفظ: أخرجوا من عرضها أذرعا من الحجر و بنوا عليه جدارا قصيرا علامة على أنه من الكعبة.
و لما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختصموا، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى أعدّوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم و بنو عدي: أي تحالفوا على الموت، و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، و قد تقدم في حلف المطيبين، و مكث النزاع بينهم أربع أو خمس ليال ثم اجتمعوا في المسجد الحرام. و كان أبو أمية بن المغيرة، و اسمه حذيفة أسنّ قريش كلها يومئذ: أي و هو والد أم سلمة أم المؤمنين رضي اللّه عنها، و هو أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم، و كان يعرف بزاد الراكب، لأنه كان إذا سافر لا يتزود معه أحد، بل يكفي كل من سافر معه الزاد.
أي و ذكر بعضهم أن أزواد الراكب من قريش ثلاثة: زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد مناف، قتل يوم بدر كافرا، و مسافر بن أبي عمرو بن أمية، و أبو أمية ابن المغيرة و هو أشهرهم بذلك.
و في كلام بعضهم: لا تعرف قريش زاد الراكب إلا أبا أمية بن المغيرة وحده، يحتمل أن المراد لا تكاد تعرف قريش غيره بهذا الوصف لشهرته فلا مخالفة، و أبو أمية هذا مات على دينه، و لعله لم يدرك الإسلام، فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم: أي و هو باب بني شيبة، و كان يقال له في الجاهلية باب بني عبد شمس الذي يقال له الآن باب السلام. و في لفظ أوّل من يدخل من باب الصفا: أي و هو المقابل لما بين الركنين اليماني و الأسود ففعلوا أي و في كلام البلاذري أن الذي أشار على قريش بأن يضع الركن أوّل من يدخل من باب بني شيبة مهشم بن المغيرة و يكنى أبنا حذيفة.
و قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون اسمه حذيفة، و يكنى بأبي حذيفة كما يكنى بأبي أمية و مهشم لقبه، و أن الراوي عنه اختلف كلامه، فتارة قيل عنه يقضي بينكم، و تارة قيل عنه يضع الركن، و المشهور الأول، و يدل له ما يأتي، فكان أول داخل منه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا، هذا محمد: أي لأنهم كانوا يتحاكمون إليه (صلى اللّه عليه و سلم) في الجاهلية، لأنه كان لا يداري و لا يماري، فلما انتهى إليهم و أخبروه الخبر قال (صلى اللّه عليه و سلم): هلم إليّ ثوبا فأتي به: أي و في رواية: فوضع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إزاره و بسطه في الأرض أي و يقال إنه كساء أبيض من متاع الشام.